من أنا

صورتي
باحث وكاتب لبناني في العلاقات الدولية والدراسات السياسية.حائز على إجازتي حقوق وعلوم سياسية من الجامعة اللبنانية ودبلومي قانون عام وعلاقات دولية, وماستر علاقات دولية ودراسات أوروبية.حاصل على منحة تفوق من الجامعة اللبنانية لنيل شهادة الدكتوراه. حالياً يتابع دراسة الدكتوراه في العلاقات الدولية في جامعة براغ الدولية.

خطاب الرئيس الأسد: رسالة قوة في لحظة تفاوض

 نشر المقال على موقع "سلاب نيوز", ضمن زاوية "رأي اليوم", بتاريخ 6\1\2012


كلمة الرئيس الأسد في دار الأوبرا في دمشق، قد تكون الأكثر حساسية منذ بداية الأزمة، ليس بسبب ما ورد فيها بل لما لم يرد، ومن ناحية أخرى بسبب خطورة الوضع الميداني الذي بلغه النزاع في سوريا. في الأسابيع الماضية القليلة بدأ الحديث عن إحتمالات التسوية يأخذ مساراً جدياً للمرة الأولى منذ بداية الأزمة، حيث نشطت الحركة الدبلوماسية الأميركية – الروسية (في ظل ولاية أوباما الثانية) والإيرانية- التركية والتي نتج عنها جملة نقاط تفاوضية أهمها عن موقعية الرئيس الأسد في التسوية وما بعدها. في ظل هذه المعطيات يمكن تقديم القراءة التالية للخطاب من خلال ملاحظات عدة:

• من المفارقة أن ما يميز خطاب الرئيس الأسد هو خلوه تقريباً من أي إضافة جوهرية جديدة على خطاباته السابقة، لأن هذا هو المراد. إذً أراد الرئيس الأسد أن يقول للقوى الخارجية المعادية له أن أشهر من الضخ المالي والعسكري والإعلامي والتي بلغت الذروة لم تنجح في تغيير رؤية النظام لطبيعة المعركة أو شكل التسوية وحدود التنازلات الممكنة. إذاً أراد النظام القول أنه لا زال يفاوض من موقع الواثق بقدرته على حماية نفسه بالحد الأدنى، وإن خسر بعض الجغرافيا.

• أعاد الرئيس الأسد التأكيد على رؤية النظام لطبيعة الصراع بكونه في الأصل صراع دولي على سوريا وليست المعارضة المسلحة إلا أداة فيه. وهذا الخطاب موجه بالدرجة الأولى للقواعد الشعبية بهدف ترسيخ هذه الصورة عن الصراع بما يعزز حالة الإلتفاف الشعبي حول النظام لا سيما من الكتلة "الصامتة" او "الرمادية"
• سعي الرئيس الأسد لتعزيز القلق الغربي من زاويتين، الأولى في إبراز القدرة على إطالة أمد النزاع وتوسيعه عند الضرورة، ومن ناحية ثانية بالإشارة الى دور المجموعات التكفيرية في الأزمة حيث إنتقل هؤلاء الى "الخط الأمامي" بعد فشل المعارضة السورية التي إنتقلت للخطوط الخلفية. في الواقع ورغم أن جبهة النصرة ليست الفصيل الأكبر على الأرض إلا أنها الأكثر قوةً، إنضباطاً وفعاليةً في الميدان لما تمتلكه من خبرات سابقة في العراق تحديداً بالإضافة لخطابها وبنيتها العقائدية.

• حرص الرئيس الأسد على توجيه رسائل مبطنة للروس تحديداً، من باب تشديده أن المساعدة مرحب بها من الدول الصديقة ولكن أي حل يجب أن يرتكز على الرؤية السورية التي قدم الرئيس الأسد ملامحها. والرسالة الى الروس مرتبطة بشكل مباشر بمصير الرئيس الاسد، والذي يبدو أن الروس أبدوا مرونة تجاهه في الفترة الأخيرة سواء من باب عدم ترشحه في الانتخابات المقبلة او نقل لصلاحياته لحكومة الوحدة. من الواضح بحسب الخطاب ان الرئيس الأسد ونظامه ليسوا حتى اللحظة في وارد أي من الطرحين.

• يتضح من الخطاب أن الرئيس الأسد ليس متوهماً بشأن موقف المعارضة المسلحة المسلوبة الإرادة، وينصرف ذلك على الدول الإقليمية أيضا الساعية الى "تقسيم" او "إضعاف" سوريا، وهنا كان لافتاً توقف الرئيس الأسد عند موضوع معركة رأس العين والتي كانت بمثابة رسالة "ضمنية" للأتراك ورسالة "غزل" لأكراد سوريا.

• في المقابل حرص الرئيس الأسد على فتح مجال واسع لأي تعديلات داخلية كنتيجة للتسوية السياسية، على مثال إعادة النظر بالدستور مجدداً بما يعني النظر في طبيعة النظام السياسي ككل، وصولا الى إنتخابات تشريعية وميثاق وطني وإستفتاء، إذاً يدرك النظام بأنه لا بد من مرحلة تأسيسية لسوريا الغد، لا يُلغى فيها أحد، الأمل أن تدرك المعارضة ذلك أيضاً.

بالنتيجة، التسوية حصيلة توازنات القوة الميدانية، ومع دخول التسوية حيز الإمكان، من المتوقع أن يسعى طرفي الأزمة الى إبراز مكاسبهم وقوتهم وهو ما يُرجح جولة ستكون الأشد دموية منذ بدء النزاع. هكذا يكون "التفاوض تحت النار"، مبارزة سياسة واخرى ميدانية ، حيث تصبح الخبرة السياسية والحنكة والفعالية الدبلوماسية والمؤهلات القيادية أكثر من ضرورية لترجيح كفة إحدى الطرفين، وقد بدا الرئيس الأسد مدركاً لذلك. 
»  حسام مطر / باحث في العلاقات الدولية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق