مقال نشر في صحيفة السفير, العدد: 12343, 28\11\2012
الأفكار كما المادة، عندما تُحجب عنها الشمس قد تكون عرضة للعفن ، وكما أن الضوء يخلص المادة من عفنها، كذلك يفعل الواقع بالافكار. قد تكون بعض الأفكار عفنة بكليتها، فيحيـلها الواقـع رماداً منـثوراً، وإمـا ان تكون عفنة بجزئيتها فتـطهرها التجربة، كمن يصقل حجرا نفيسا. وكلما كانت الفكرة أصيـلةً كانت أقـل عرضةً للتآكل.
عانت حركات الإسلام السياسي بشكل عام من الإقصاء والعزل في أغلب القرن
الماضي، وتُركت سجينة دور الوعظ، والبنى السرية، والتنظير وترداد النصوص
وشعارات المعارضة والرفض. كانت أحداث العامين الماضيين بمثابة إخراج فكر
هذه الحركات المشبع بالإيديولوجيا الى «شمس» الواقع الحارقة. لذا ليس نقيصة
او إهانة القول بأن المرحلة الاولى من هذا الخروج بدأت تكشف «العفن» الذي
تعلق بجزء من الأفكار والخطاب الرسمي لهذه المجموعات. أفكارها المربكة
والمتناقضة حول الدولة، السلطة، العنف، دور الشريعة، حقوق الأقليات، الموقف
من إسرائيل، والعلاقة مع الإمبريالية الأميركية، كلها تكشف عمق البئر الذي
ألقيت فيه.

لذا يجب أن يرتكز التقويم على حيوية التجربة الجديدة وقدرتها على التعلم،
أي مهارة «الصقل» السياسي للفكر العقائدي الخام، بما يحفظ أصالته وغائيته
من ناحية وقدرته على الإستجابة لشروط العصر وحاجات الإجتماع الإنساني من
ناحية أخرى. المرحلة الأولى في تجربة «الإخوان المسلمين» السلطوية في اكثر
من بلد إضافة لدورهم في سوريا، كشفت نزعة «براغماتية» مبالغ بها، الى الحد
الذي يمكن أن يبدو فيه ميكافيللي «مثالياً». من المبكر مطالبة «الإخوان»
بإنجازات، ولكن الحديث هنا عن المواقف كما في قرارات مرسي «الإلهية»
الأخيرة التي كانت بمثابة إنقلاب، وكما في الموقف من إسرائيل والولايات
المتحدة الذي لم تتغير فيه إلا لغة الخطاب مراعاة للناخبين الذين لم يكترث
لهم مبارك.
قرارات الرئيس مرسي الأخيرة حول الإعلان الدستوري عمقت الشكوك الشعبية حول
نوايا الإخوان لا سيما ان القرارات أعقبت دور مصر في التهدئة في غزة، وهو
ما اعتبره البعض مكافأة أميركية، بالموافقة او بالتجاهل. هل كانت قرارات
مرسي مرتبطة بالخلفية العقائدية للجماعة أم بشهوة السلطة؟ ربما! ولكن أيضاً
بسبب إدراك الجماعة لعمق التحديات الإقتصادية والسياسية (الداخلية
والخارجية) التي ستُضعف مع الوقت قدرتهم على تعبئة الناخبين، ولذا لا بد من
الإمساك بمفاصل السلطة الان، حيث لا يزال ذلك متاحاً. بهذا المعنى يغلب
على قرارات مرسي الأخيرة الطابع «البراغماتي» وليس العقائدي، هي لعبة
الهيمنة وتوازن القوى. هو الخوف مجدداً يحكم سلوك الجماعة.
حالياً الإخوان بين مطرقة واشنطن وسندان المسألة الإقتصادية، بين أزمة
«أجيال» وأزمة «أجنحة»، بين تشدد السلفيين وعلمانية القوميين. لن يستطيع
«الإخوان» التفرد بحكم مصر ولا ضمان الإستمرار بالسلطة، ولكن يمكنهم
المساهمة في تكريس نظام يحفظ التداول السلمي للسلطة بما يتيح لـ«الإخوان»
إمكانية ان يعودوا الى موقع القرار عند كل محطة انتخابية. ثانياً، من غير
الممكن لـ«الإخوان» قيادة مصر لا سيما في المدى المنظور (وهي مرحلة
تأسيسية) إلا من خلال إئتلافات واسعة مع قوى وازنة تستند على توافقات أولية
حول النظام السياسي- الإقتصادي وحول موقع ودور مصر الخارجي. ثالثاً، ما
دام «الإخوان» ارتضوا سياسة خارجية «صفر عقائدية» تقريباً، فلم لا يمكن
الاتفاق مع التيار القومي على نقاط وسط حول الخلافات المرتبطة بموقع
الشريعة في الدستور الجديد، وحينها يمكن للجماعة ان تكون اكثر تحصيناً تجاه
المطالب الداخلية والضغوط الخارجية.
ما يحصل اليوم في مصر، يعزز فرضيات القلق حول سلاسة عملية الانتقال
الديموقراطي، وقد كانت مارينا اوتاواي (خبيرة بقضايا التحول السياسي في
الشرق الاوسط لدى مؤسسة كارنيغي) خلصت في معرض دراستها للتحول في مصر وتونس
الى أنه من المستحيل ـ بـل وغــير المنصـوح به ـ تنظيم انتـخابات خـلال
أشـهر من إسقاط النظام. كثير من الأمور يجب أن تحصل قبل ذلك، تعديل
الدستور، قوانين جديـدة، أحـزاب جديدة، وبعـض الإجمـاع على المـبادئ
الأساسـية. إلا أن عـملية أبـطأ تحـتاج أيضاً خريطة طريق واضـحة، جدول
زمني، مع علامات ومـهل محـددة، وليـس عملـية ضبـابية متروكة لأهواء حكومة
ناقصة الشرعية أو الحشود المستعجلة.
التوتر المتصاعد بين الإسلاميـين (الإخـوان والسلفـيين) وبين القوى
القوميـة والوطنية والمقاومة في اكـثر مـن سـاحة يستدعي القلق الشديد.
سيبقى الإسلاميون في المدى المنظور جزءاًً أساسـياً من اللـعبة السـياسية،
لذا يجب استمرار التواصـل مع هـذه المجـموعات مــن خلال اطر وملتقيات
ومصالح مشتركة. المسار الصدامي (ليس المعارضة) بوجه «الإخـوان» سيشجـعهم
أكـثر على التـفاهــم مـع واشنـطن وحلـفائها، لذا لا بـد مـن الانخراط
الدائم مع الجماعة عبر الحوار والاحتكاك والتنسيق، مع جمهور «الإخوان»
وشبابهم وطلابهم ونقابييهم وقياداتهم.
الشرق الأوسط يعج بروائح «العـفن» هذه الأيـام، لأن أفكاراً بكليتها خرجت
الى الشـمس، وهو حـال سيــدوم مدة من الزمن تحددها سياسات الجميع، لا
الإسلاميين فقط.
حسام مطر




مع
دخول الإستعدادات لمعركة الإنتخابات النيابية المقبلة عام 2013 , عاد فريق
14 آذار لتكرار معزوفة رفض تولي الرئيس نبيه بري لرئاسة البرلمان في حال
حازت هذه القوى على الأكثرية النيابية.
ولكن
لماذا لا تنطبق هذه القاعدة على موقع رئاسة الجمهورية؟ اي رغم أن تكتل
الجنرال ميشال عون حاز على 70% من التمثيل المسيحي في إنتخابات 2005 إلا
انه جرى تجاوز ذلك بعدما جرى إنتخاب الرئيس ميشال سليمان خلفاً للعماد أميل
لحود, فما تبرير ذلك؟ في الواقع هذا يعود الى جملة أسباب: أولاً هو ضعف
المسيحيين وتهميشهم في النظام اللبناني بعد إتفاق الطائف, وهو ما أتاح
بدوره إخضاع الموقع للتسوية الإقليمية – الدولية بشكل كامل. ثانياً, أصبحت
الرئاسة كضمانة للتوازن الإسلامي في النظام , كموزان بين رئيس المجلس
الشيعي ورئيس الحكومة السني, وعليه كان لا بد من ضمان وجود رئيس محايد أي
لا يلاقي إعتراض الطرفين المسلمين, بمعزل عن قوته التمثيلية. ثالثاً, أتاحت
تحولات 2005 الخروج من هذا العجز, كان من الممكن لسمير جعجع وأمين الجميل
تكريس حق المسيحيين بإختيار رئيسهم لو انهم أقروا بهذا الموقع للعماد عون
حينها, ولكنهم بإختيارهم الوقوف بوجهه قضى جعجع على فرصة إعادة موقع
الرئاسة الى المسيحيين فعلياً, وكذلك على إحتمال وصوله الى الرئاسة مهما
كانت قوته التمثيلية المسيحية في المستقبل.