من أنا

صورتي
باحث وكاتب لبناني في العلاقات الدولية والدراسات السياسية.حائز على إجازتي حقوق وعلوم سياسية من الجامعة اللبنانية ودبلومي قانون عام وعلاقات دولية, وماستر علاقات دولية ودراسات أوروبية.حاصل على منحة تفوق من الجامعة اللبنانية لنيل شهادة الدكتوراه. حالياً يتابع دراسة الدكتوراه في العلاقات الدولية في جامعة براغ الدولية.

ورقة بحثية: تركيا في الشرق الأوسط: بين الطموح وقيود النفوذ




حسام مطر, مجلة شؤون الأوسط, العدد 144, شتاء 2013, ص. 162-172

ملخص الدراسة:
تهتم الورقة بدراسة وتفسير التحولات في السياسة الخارجية لتركية تجاه الشرق الأوسط خلال السنوات الأربع الماضية, ويظهر من خلال الدراسة ان مبدأ "توازن القوى" كان المبدأ الحاكم للتحولات التركية إضافة الى عوامل ذاتية ثانوية مرتبطة بحزب العدالة والتنمية وتعقيدات اللعبة الداخلية. تركيا اليوم مهتمة بأن تكون بوابة إلزامية للمصالح الدولية في الشرق الأوسط, ولكن من باب الشراكة الإستراتيجية مع الناتو الذي يضمن لها جملة تقديمات امنية وسياسية تمكنها من موازنة المحور المقابل. السلوك التركي في الشرق الأوسط تفسره المصالح القومية بالدرجة الأولى فيما تتراجع المحددات الثقافوية الى مرتبة ثانية او حتى إلى "إداة". وفيما كانت تهيمن المحددات الذاتية في بداية التحول التركي نحو الشرق الأوسط إلا انه مع إختبار الحقائق القاسية في الشرق الأوسط أخذت المعطيات البنيوية والموضوعية تحتل أهمية متقدمة في كواليس صنع القرار التركي. 

مقدمة:
عادت تركيا في السنوات الأخيرة لتمارس دوراً حيوياً في الشرق الأوسط بعد أن أدارت له ظهرها لعقود من الزمن. لم يكن من الممكن لهذه "الإستدارة" أن تكون هادئة لما من تركيا من وزن إستراتيجي في ميزان قوى المنطقة الذي يحفل بدوره بالإشكاليات والصراعات والإضطرابات. وبعد سلسلة تحولات بدأت السياسة الخارجية تستقر نسبياً على منهج محدد, وهو ما يمكن أن يسهم في فهم أسباب "الإستدارة" الشرق أوسطية بالأصل ثم التحولات التي تلتها ووصولاً الى محاولة إستبيان مآلاتها المستقبلية.
تهتم الورقة بالسؤال عن أثر الدور التركي على التوازن الإستراتيجي في المنطقة؟ وهو تساؤل يستبطن جملة من التساؤلات الثانوية, لماذا "الإستدارة" نحو الشرق الأوسط؟ ما سر التوقيت؟ كيف ترى دورها في بيئة عنفية متشظية معقدة كالشرق الأوسط؟هل ترى اللعبة الإقليمية بإعتبارها لعبة صفرية؟ موقفها من صراع المحاور؟ هل تسعى تركية لخلق قواعد لعبة جديدة او انها تلعب وفقاً للقواعد المستقرة في المنطقة؟

محاور الورقة:
أولاً: مرحلة "صفر نزاعات" الرومنسية
ثانياً: التحول الثاني في ظل تحدي التحولات العربي
ثالثاً: هاجس تركيا الإقليمي: التنافس السني- السني
رابعاً: بين تركيا وإيران "الطلاق حرام"
خامساً: المأزق التركي في الأزمة السورية
سادساً: تركيا والغرب "التكيف المتبادل"

الخاتمة:
كما توقعت نظرية الواقعية الجديدة عاد توازن القوى ليحكم السياسات الشرق أوسطية, فظهور الدور التركي في الشرق الأوسط من حيث طبيعته وتوقيته ومراحله كان مرتبطاً بتراجع المشروع الصهوني- الأميركي في المنطقة لا سيما بعد حرب تموز 2006 والإنسحاب من العراق 2009. شكلت سنوات بوش كارثة إستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة حيث تمكن محور الممانعة والمقاومة من تحقيق تقدم عميق وقلب بنية القوة في الشرق الاوسط, في تلك اللحظة كانت الحاجة للاعب جديد ليعيد التوازن الى اللعبة, فكانت تركيا.
بعد الإنسحاب الأميركي من العراق, أصبحت بوابتي تركيا نحو العالم العربي اي سوريا والعراق تحت الـتأثير الإيراني المباشر, وهو ما إعتبره الأتراك وضعاً غير مقبول, وهذا أحد مبررات السياسة التركية تجاه الأزمة السورية. في الوقت الذي يسعى الغرب لعزل إيران يقوم بإتاحة المجال للدور التركي للتمدد في أي فراغ مستجد و "تلزيمه" رعاية التحول السياسي في المنطقة, هنا يظهر التحفز التركي نحو علاقات عميقة مع التيارات الإسلامية التي وصلت للسلطة للتأثير على بناء "الأنظمة الجديدة" منذ بداية تكونها. تحاول تركية بناء قدرات وبرامج وإستثمار موارد ظخمة في سبيل هذه الغاية من خلال مشاريع تنموية, برامج تبادل, زيارات رسمية عالية المستوى, والأبرز وضع أسس لشراكات إستراتيجية مع الدول العربية كما حصل مع تونس في كانون الأول\2012, حيث صرح أردوغان في حفل التوقيع بأننا " سنواصل الوقوف إلى جانبهم. ونعتبر إنجازات تونس إنجازاتنا. وسندعم التحول الديمقراطي والجهود التي تبذل لتحقيق التطور الديمقراطي في تونس". ( مجلس تعاون إستراتيجي تركي- تونسي, موقع قناة الميادين, 26\12\2012)
في المجمل تراهن أنقرة على قوتها الناعمة – وليس العسكرية - بشكل أساسي بهدف التمدد والنفوذ في المنطقة, وتسعى في سبيل ذلك الى إستعمال الخطاب الإسلامي بشكل كثيف, وهو خطاب ينحو تدريجياً نحو المذهبية. ففي الوضع السوري تطغى الخطابة والعروض السياسية والدبلوماسية التركية إلا أن ذلك رغم محدوديته في التأثير على مجريات الأزمة السورية فأنه يؤمن لأنقرة مزيداً من المعجبين والأنصار في العالمين العربي والإسلامي. وتنبع أهمية ذلك من أن الصراع على الشرعية بين القوى الإقليمية في أشد لحظاته, بسبب أن الرأي العام العربي أصبح أكثر إنكشافاً للتأثيرات الخارجية. إن الدور التركي المستجد لم يتحرك خارج الإرادة الإميركية بل كان من تأثيرات إقرار واشنطن بتراجع نفوذها الإقليمي وضمور القوة الإسرائيلية بما يحتم إقامة توازن " إسلامي سني" بوجه طهران.
على الأرجح أن لا يطول الوقت قبل أن نشهد التحول الثالث للسياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية بعد أن تكتمل مرحلة النضج, حيث لا بد من القبول بالحد الإقصى الممكن من النفوذ والمكاسب ليبدأ السعي نحو تكريس ذلك الستاتيسكو من خلال جملة خطوات تراجعية وتسويات إقليمية تعترف فيها حكومة اردوغان بحدود المثل وحقائق توازنات القوة من دون ان يعني ذلك خروج تركيا من المعادلة الإقليمية ولكنها ستصبح أكثر تواضعاً وتعقلاً وإلا سيدرك الأتراك حينها كيف أن الشرق الأوسط كائن يهوى تحطيم "الرؤوس الكبيرة".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق