من أنا

صورتي
باحث وكاتب لبناني في العلاقات الدولية والدراسات السياسية.حائز على إجازتي حقوق وعلوم سياسية من الجامعة اللبنانية ودبلومي قانون عام وعلاقات دولية, وماستر علاقات دولية ودراسات أوروبية.حاصل على منحة تفوق من الجامعة اللبنانية لنيل شهادة الدكتوراه. حالياً يتابع دراسة الدكتوراه في العلاقات الدولية في جامعة براغ الدولية.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشرق الأوسط. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشرق الأوسط. إظهار كافة الرسائل

مقاربة جديدة لعدوان تموز: الحرب الوقائية

نشر في صحيفة السفير, العدد 12542 بتاريخ 30\7\2013
حسام مطر

سبع سنوات على العدوان الإسرائيلي على لبنان سنة 2006, ولكن حجم الحرب وتداعياتها ونتائجها يجعل منها صالحة لمزيد من الأسئلة والإجابات. لماذا وقعت تلك الحرب؟ قد يبدو السؤال عبثياً بعد كل ما قُدم من إجابات، ولكن إجابة إضافية قد تبدو غاية في الأهمية، لا سيما في ظل حملة التشويه المستمرة التي يقودها أفرقاء لبنانيون وإقليميون لتحميل «حزب الله» مسؤولية تلك الحرب.
الأسباب الرئيسة التي جرى تقديمها لتفسير الحرب تعددت، من اعتبارها نتيجة لعملية أسر الجنديين، الى سعي إسرائيل لتعزيز ردعها, الى محاولة القضاء على المقاومة, وصولاً الى تحقيق رؤية المحافظين الجدد حول بناء شرق أوسط جديد. إلا أنه يبقى هناك محدد جوهري يقدم تفسيراً أكثر وضوحاً وشمولاً ودقة لسبب تلك الحرب ويكمن ضمن مفهوم «الحرب «الوقائية», فهل كانت حرب العام 2006 حرباً «وقائية»؟

الحرب الوقائية وانزياحات القوة:

الحرب الوقائية، هي الحرب التي تُخاض «الآن» لتجنب مخاطر حرب «لاحقة» بظل ظروف أسوأ. وهذه الحرب بالنسبة لهانز مورغانثو (أحد أبرز منظري النظرية الواقعية في العلاقات الدولية)، هي وسيلة ضرورية لحفظ التوازن في النظام الدولي أو الإقليمي حتى. من أبرز المتغيرات التي تفسر الحرب، هي التحولات او الانزياحات في القوة النسبية بين الدول، او النمو غير المتكافئ للقوة بين قوة «صاعدة» وقوة «هابطة». وبعكس النظرية التقليدية التي تعتبر أن «توازن القوى» يؤدي الى الاستقرار وتراجع فرضية الحرب, فإن أورغانسكي من خلال «نظرية انتقال القوة» يحاجج بأن الحرب تصبح أكثر تحققاً كلما ارتفعت قوة الجهة الصاعدة (التي لا يرضيها الوضع القائم) لتعادل قوة الجهة المتسيدة على النظام (قوة الستاتيكو). وفي هذه الحالة فإن الفرضية الأكثر شيوعاً هي أن «قوة الستاتيكو» ـ التي تكون في طور الأفول ـ هي من تبادر نحو الحرب ضد «القوة الصاعدة» باعتبارها «الفرصة الأخيرة» لوقف صعودها قبل ان توازنها أو تتجاوزها, أي تسعى للاستفادة من ميزة التفوق قبل انعدامها. (جاك ليفي, القوة المتراجعة والدافع الوقائي في الحرب, 1987).
والحرب الوقائية هي غير الحرب الاستباقية، وعلامة التمييز الأساسية بينهما هي في عامل «الوقت», فالحرب الاستباقية تقع كرد على خطر داهم متحقق ومباشر، فيما الحـرب الوقائــية تهــدف لمواجــهة تهــديد ممكن، مستقبلي وغير متحقق لحظة الحرب. لذلك تُصنف الحرب الأميركية على العراق العام 2003 حرباً «وقائية» لا «استباقية», وما روج له المحافظون الجدد في عهد بوش هي فعلياً «الحــروب الوقائية» ولكن بقناع «الضربات الاستباقية», باعتبار أن الأولى مخالفة للقانــون الدولي, فيــما الثانية يُصنــفها كثــير من فقهاء القانون الدولي كعمل مشروع يندرج ضمن مبدأ الدفاع المشروع عن النفس, بينما يرفض آخرون ذلك معتبرين أن هذه الشرعنة تنطوي على تفسير «موسع جداً» لمبدأ الدفاع عن النفس بما يخرجه عن مقاصده.

تحولات القوة في الشرق الأوسط بعد العام 2000:

منذ نهاية الحرب الباردة في المنطقة كان الصراع والتنافس يتشكل بين محورين, أي أن قوة كل لاعب سياسي لا يمكن أن تقاس بمعزل عن قوة المحور الذي ينتمي إليه, وكل مكسب أو إخفاق لهذا اللاعب يؤثر مباشرة في ميزان القوة بين المحورين. الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان العام 2000، كان مؤشراً أن الواقع الجيو ـ إستراتيجي في المنطقة قد بدأ بالتغير, محور المقاومة انتقل نحو مسار «صعود» فيما بدأ المشروع الأميركي مسار «الأفول».
سنوات ما بعد العام 2000 كرست ذلك بوضوح, الانسحاب الإسرائيلي من غزة, الكارثة الأميركية في العراق وأفغانستان, تضرر شديد في صورة وشرعية ونفوذ الولايات المتحدة في المنطقة (أي قوتها الناعمة), تزعزع وقوة وشرعية النظام الرسمي العربي التابع لواشنطن, فشل سياسات واشنطن في لبنان لعزل «حزب الله» منذ العام 2004 حتى العام 2006, توسع النفوذ الإيراني في العراق, ارتفاع غير مسبوق في القوة الناعمة لـ«حزب الله» ومشروعه المقاوم في المنطقة, انتقال المقاومة الفلسطينية الى تحقيق توازن ردع مع «إسرائيل», تمكن النظام السوري من تجاوز عملية انتقال السلطة بعد رحيل حافظ الأسد بشكل هادئ ومستقر, وصعود الأصوليات الجهادية المعادية لواشنطن.
بعد ثلاث سنوات من غزو العراق كان الأميركيون أمام محاولة ضرورية وأخيرة لعكس مسارات القوة في المنطقة, كان لا بد من تحقيق مكسب إستراتيجي يوازي على الأقل الهزيمة الكبرى في العراق, وحينها يمكن إيقاف صعود «محور المقاومة» وعكس ديناميكيات الأفول الأميركي باتجاه الصعود والهيمنة مجدداً. في تلك اللحظة, لم تكن الولايات المتحدة قادرة على ضرب إيران او سوريا, فيما الضربة للمقاومة الفلسطينية في غزة، حتى مع فرض نجاحها، لن ترقى لدرجة المكسب الإستراتيجي، خاصة ان القطاع كان محاصراً ومعزولاً الى حد بعيد. وقعت العين الأميركية على «حزب الله», إذ أن موقعيته, دوره وحجم مساهمته في قوة المحور المنتمي إليه تؤهله بشكل واضح لأن يكون «حجر الزاوية» الذي من خلال هزيمته عسكرياً يمكن تحقيق «انزياح» جوهري في القوة النسبية بين المحورين.
ويصبح هذا التحليل واقعياً أكثر بعدما تبين أن إسرائيل شنت الحرب بقرار أميركي واضح، دفع بها دفعاً نحو المواجهة في ظل تغطية سياسية وديبلوماسية وإعلامية من الولايات المتحدة والقوى العربية التابعة لها. وقد تبين أيضاً أن الحرب الإسرائيلية كانت مقررة بالأصل في شهر أيلول من العام 2006 عشية إحياء «حزب الله» ليوم القدس العالمي. اعتبر الأميركيون أن عملية أسر الجنديين تشكل غطاءً مناسباً لشرعنة العملية العسكرية, ولذلك تقرر تقديم موعدها. وكان جاك ليفي أشار في دراسته الى أن القوة الساعية لحرب وقائية قد تلجأ لاستفزاز الخصم ليقوم بضربة أولى بهدف شرعنة الحرب الوقائية وعزل المستهدف ديبلوماسياً وتعبئة الجمهور خلف خيار الحرب باعتبار المهاجم معتدى عليه, في حالتنا هذه كانت عملية الأسر ذريعةً وغطاءً مناسباً لحرب أميركا الوقائية بوجه محور المقاومة «الصاعد» متمثلاً بـ«حزب الله».

عوامل إضافية تعزز فرضية الدافع الوقائي:

بحسب دراسة جاك ليفي، يزيد الدافع الوقائي عندما تتوفر العوامل التالية: 1ـ قوة تصور المهاجم (قوة الستاتيكو) حول حتمية الحرب المستقبلية مع القوة الصاعدة, وهذا متوفر في المثال الحالي بسبب عمق العداء الإستراتيجي والأيديولوجي بين المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي ومحور المقاومة. 2 ـ توقع المهاجم بأن القوة الصاعدة ستتجاوزه في ميزان القوة، أي تصور المهاجم حول مدى انزياح القوة العسكرية والإمكانات لمصلحة الطرف الآخر. وهذا التقدير كان واضحاً عند الأميركيين، حيث شهدت تلك الحقبة صعود الانتقادات الأميركية الحادة لسياسات بوش الإقليمية، والتي ذهبت الى أن الهزيمة في العراق كانت اشد من هزيمة فيتنام وبتداعيات أكثر خطورة. 3ـ السرعة النسبية لصعود المتحدي بما لا يدع لقوة الهيمنة مجالاً لبدائل سياسية فيندفع بسرعة نحو الخيار العسكري, هذه السرعة كانت جلية بعد العام 2000 كما أشرنا.
ثم هناك عوامل أخرى مثل, العداء التاريخي (متحقق بقوة في المثال الحالي), التنازع الأيديولوجي (متحقق بقوة أيضاً), التماس الجغرافي (متحقق بقــوة أيضاً), الحسابات الخاطئة (مثلا ممكن مراجعة دراســة م. ماثيو الصادرة عن «معهد دراسة الحروب» التابع للجيش الأميركي تحــت عنــوان «أُخذنا عــلى حــين غــرة: حــرب 2006 بين إسرائيــل وحــزب اللــه» 2008), التأثير السياسي للجهاز العسكري (دور وزارة الدفاع الأميركية في عهد بوش), وميل أصحاب القرار للمخاطرة (أحد ابرز خصائص حـقبة بوش في الحــكم).

في الخلاصة:

التفسير الموضوعي لحرب العام 2006, أنها كانت حرباً وقائية بادر إليها المشروع الأميركي في لحظة هبوط بمواجهة محور المقاومة الصاعد, وكان فشل تلك الحرب إيذاناً بنهاية النظام الإقليمي للشرق الأوسط الذي أقامته واشنطن منذ بداية التسعينيات بما ادى الى فراغات عدة أدت لتراجع حلفائه في لبنان, انهيار النظام الرسمي العربي, وتضرر متزايد للردع الإسرائيلي. بعد الحرب تيقن الأميركيون أنهم بحاجة للتراجع وتقليل الخسائر والبدء بإستراتيجية جديدة ناعمة تكشفت لاحقاً مع وصول اوباما للسلطة، حيث راج مذهب «القيادة من الخلف».
من المفيد الاقتباس عن توماس دونللي (محلل سياسات الأمن والدفاع في معهد «الأميركان إنتربرايز») حيث ختم مقاله الأخير بالقول: «نابليون قال مرة عندما تستيقظ الصين سوف يهتز العالم. أميركا ذاهبة نحو النوم وهذا ما يمكن أن يهز العالم أكثر», كما يحدث في الشرق الأوسط الآن.

ورقة بحثية: تركيا في الشرق الأوسط: بين الطموح وقيود النفوذ




حسام مطر, مجلة شؤون الأوسط, العدد 144, شتاء 2013, ص. 162-172

ملخص الدراسة:
تهتم الورقة بدراسة وتفسير التحولات في السياسة الخارجية لتركية تجاه الشرق الأوسط خلال السنوات الأربع الماضية, ويظهر من خلال الدراسة ان مبدأ "توازن القوى" كان المبدأ الحاكم للتحولات التركية إضافة الى عوامل ذاتية ثانوية مرتبطة بحزب العدالة والتنمية وتعقيدات اللعبة الداخلية. تركيا اليوم مهتمة بأن تكون بوابة إلزامية للمصالح الدولية في الشرق الأوسط, ولكن من باب الشراكة الإستراتيجية مع الناتو الذي يضمن لها جملة تقديمات امنية وسياسية تمكنها من موازنة المحور المقابل. السلوك التركي في الشرق الأوسط تفسره المصالح القومية بالدرجة الأولى فيما تتراجع المحددات الثقافوية الى مرتبة ثانية او حتى إلى "إداة". وفيما كانت تهيمن المحددات الذاتية في بداية التحول التركي نحو الشرق الأوسط إلا انه مع إختبار الحقائق القاسية في الشرق الأوسط أخذت المعطيات البنيوية والموضوعية تحتل أهمية متقدمة في كواليس صنع القرار التركي. 

مقدمة:
عادت تركيا في السنوات الأخيرة لتمارس دوراً حيوياً في الشرق الأوسط بعد أن أدارت له ظهرها لعقود من الزمن. لم يكن من الممكن لهذه "الإستدارة" أن تكون هادئة لما من تركيا من وزن إستراتيجي في ميزان قوى المنطقة الذي يحفل بدوره بالإشكاليات والصراعات والإضطرابات. وبعد سلسلة تحولات بدأت السياسة الخارجية تستقر نسبياً على منهج محدد, وهو ما يمكن أن يسهم في فهم أسباب "الإستدارة" الشرق أوسطية بالأصل ثم التحولات التي تلتها ووصولاً الى محاولة إستبيان مآلاتها المستقبلية.
تهتم الورقة بالسؤال عن أثر الدور التركي على التوازن الإستراتيجي في المنطقة؟ وهو تساؤل يستبطن جملة من التساؤلات الثانوية, لماذا "الإستدارة" نحو الشرق الأوسط؟ ما سر التوقيت؟ كيف ترى دورها في بيئة عنفية متشظية معقدة كالشرق الأوسط؟هل ترى اللعبة الإقليمية بإعتبارها لعبة صفرية؟ موقفها من صراع المحاور؟ هل تسعى تركية لخلق قواعد لعبة جديدة او انها تلعب وفقاً للقواعد المستقرة في المنطقة؟

محاور الورقة:
أولاً: مرحلة "صفر نزاعات" الرومنسية
ثانياً: التحول الثاني في ظل تحدي التحولات العربي
ثالثاً: هاجس تركيا الإقليمي: التنافس السني- السني
رابعاً: بين تركيا وإيران "الطلاق حرام"
خامساً: المأزق التركي في الأزمة السورية
سادساً: تركيا والغرب "التكيف المتبادل"

الخاتمة:
كما توقعت نظرية الواقعية الجديدة عاد توازن القوى ليحكم السياسات الشرق أوسطية, فظهور الدور التركي في الشرق الأوسط من حيث طبيعته وتوقيته ومراحله كان مرتبطاً بتراجع المشروع الصهوني- الأميركي في المنطقة لا سيما بعد حرب تموز 2006 والإنسحاب من العراق 2009. شكلت سنوات بوش كارثة إستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة حيث تمكن محور الممانعة والمقاومة من تحقيق تقدم عميق وقلب بنية القوة في الشرق الاوسط, في تلك اللحظة كانت الحاجة للاعب جديد ليعيد التوازن الى اللعبة, فكانت تركيا.
بعد الإنسحاب الأميركي من العراق, أصبحت بوابتي تركيا نحو العالم العربي اي سوريا والعراق تحت الـتأثير الإيراني المباشر, وهو ما إعتبره الأتراك وضعاً غير مقبول, وهذا أحد مبررات السياسة التركية تجاه الأزمة السورية. في الوقت الذي يسعى الغرب لعزل إيران يقوم بإتاحة المجال للدور التركي للتمدد في أي فراغ مستجد و "تلزيمه" رعاية التحول السياسي في المنطقة, هنا يظهر التحفز التركي نحو علاقات عميقة مع التيارات الإسلامية التي وصلت للسلطة للتأثير على بناء "الأنظمة الجديدة" منذ بداية تكونها. تحاول تركية بناء قدرات وبرامج وإستثمار موارد ظخمة في سبيل هذه الغاية من خلال مشاريع تنموية, برامج تبادل, زيارات رسمية عالية المستوى, والأبرز وضع أسس لشراكات إستراتيجية مع الدول العربية كما حصل مع تونس في كانون الأول\2012, حيث صرح أردوغان في حفل التوقيع بأننا " سنواصل الوقوف إلى جانبهم. ونعتبر إنجازات تونس إنجازاتنا. وسندعم التحول الديمقراطي والجهود التي تبذل لتحقيق التطور الديمقراطي في تونس". ( مجلس تعاون إستراتيجي تركي- تونسي, موقع قناة الميادين, 26\12\2012)
في المجمل تراهن أنقرة على قوتها الناعمة – وليس العسكرية - بشكل أساسي بهدف التمدد والنفوذ في المنطقة, وتسعى في سبيل ذلك الى إستعمال الخطاب الإسلامي بشكل كثيف, وهو خطاب ينحو تدريجياً نحو المذهبية. ففي الوضع السوري تطغى الخطابة والعروض السياسية والدبلوماسية التركية إلا أن ذلك رغم محدوديته في التأثير على مجريات الأزمة السورية فأنه يؤمن لأنقرة مزيداً من المعجبين والأنصار في العالمين العربي والإسلامي. وتنبع أهمية ذلك من أن الصراع على الشرعية بين القوى الإقليمية في أشد لحظاته, بسبب أن الرأي العام العربي أصبح أكثر إنكشافاً للتأثيرات الخارجية. إن الدور التركي المستجد لم يتحرك خارج الإرادة الإميركية بل كان من تأثيرات إقرار واشنطن بتراجع نفوذها الإقليمي وضمور القوة الإسرائيلية بما يحتم إقامة توازن " إسلامي سني" بوجه طهران.
على الأرجح أن لا يطول الوقت قبل أن نشهد التحول الثالث للسياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية بعد أن تكتمل مرحلة النضج, حيث لا بد من القبول بالحد الإقصى الممكن من النفوذ والمكاسب ليبدأ السعي نحو تكريس ذلك الستاتيسكو من خلال جملة خطوات تراجعية وتسويات إقليمية تعترف فيها حكومة اردوغان بحدود المثل وحقائق توازنات القوة من دون ان يعني ذلك خروج تركيا من المعادلة الإقليمية ولكنها ستصبح أكثر تواضعاً وتعقلاً وإلا سيدرك الأتراك حينها كيف أن الشرق الأوسط كائن يهوى تحطيم "الرؤوس الكبيرة".

نهاية نظام اليهمنة الأميركية في الشرق الأوسط


مقال نشر في موقع العهد الإخباري, بتاريخ 14\5\2103

حسام مطر
لم يقل وزير الحرب الأميركي تشاك هيغل جديداً عندما صرح منذ أيام أمام "معهد واشنطن" بأن "النظام القديم في الشرق الاوسط يزول وما سيحل محله ما زال مجهولا"، بل الأصح أنه زال وانتهى الى غير رجعة، ولكن البديل نعم ما زال مجهولاً الى حد ما. منذ نهاية الحرب الباردة تمكنت واشنطن من أن تكون قوة هيمنة أحادية في الشرق الأوسط ولم يبدأ ذلك بالتغير الا مع نهاية التسعينيات. لقد نجحت الولايات المتحدة في تحييد مصر والعراق من بنية القوة في المنطقة فيما رسخت تحالفها مع تركيا و"اسرائيل"، الا أن العقبة العصية أمام استمرار هذه الهيمنة كانت الدور الايراني الذي رعى وأدار حلفاً متعدد الطبقات والمهام ومتداخلاً بشكل استراتيجي امتد من سوريا الى لبنان وفلسطين المحتلة مع عمق شعبي يطال مجمل المنطقة العربية.

توافق هيلاري ليفيرت (من معهد جاكسون ) على هذه الخلاصة،حيث رأت بأن سنوات ما بعد 1990 أتاحت للولايات المتحدة بناء "هيمنة في الشرق الأوسط، أي نظام اقليمي امني، سياسي، وشديد العسكرة تقوده الولايات المتحدة، واليوم هذا النظام يختفي أمام أعيننا.... في ظل تغير دراماتيكي في ميزان القوى الاقليمي بعيداً عن الولايات المتحدة لمصلحة ايران وحلفائها".

أدرك الأميركيون بداية هذا التحول في ميزان القوى منذ العام 2000، مع الانسحابات الاسرائيلية من لبنان وغزة ولاحقاً هزيمتي العراق وأفغانستان، ولكن ادارة بوش اعتقدت أنها قادرة على عكس عقارب الساعة من خلال توجيه ضربة استباقية الى المحور الصاعد أي محور المقاومة. في العلاقات الدولية توجد نظرية بخصوص صعود وهبوط قوى الهيمنة وهي تفسر الحرب بين القوى الكبرى كنتيجة لتوازن القوى حينها تبادر القوة المهيمنة الى توجيه "ضربة استباقية" الى القوة "الصاعدة" التي تهدد موقع القوة المهيمنة على رأس النظام الدولي أو الاقليمي، مثلاً يوجد اليوم بعض المتطرفين الأميركيين (أمثال جون بولتون) ممن يدعون لضربة أميركية استباقية للصين الصاعدة. وعليه كانت حرب 2006 هي ضربة "استباقية" أميركية لمحور المقاومة في محاولة أخيرة لاعادة تمكين الهيمنة الأميركية على الشرق الأوسط ووقف صعود محور المقاومة.

كان فشل عدوان تموز بمثابة اعلان عن بداية سقوط النظام الاقليمي القديم في الشرق الأوسط وبدء النظام الاقليمي الجديد الذي ستتراجع فيه هيمنة الولايات المتحدة في الاقليم. هذا الفراغ الأميركي كان ضرورياً لاسقاط النظام العربي الرسمي التابع لها، وكذلك اتاح لروسيا والصين اعادة تعريف مصالحهما القومية في المنطقة بشكل أكثر عمقاً وجرأة. نظرياً، يؤدي سقوط قوة الهيمنة الأحادية الى فترة من الفوضى والاضطراب نتيجة اختلال النظام الذي كانت ترعاه تلك القوة بالاضافة الى التنافس لاشغال الفراغ، وهذا بالضبط ما يحصل في الشرق الأوسط حالياً. وهو ما استجابت له واشنطن بمرونة من خلال الدفع بتركيا وقطر الى المشهد الاقليمي لملء الفراغ والعمل كواجهة للمشروع الأميركي. هدف واشنطن من ذلك هو بناء توازن قوى اقليمي من دون أن تكون بحاجة للتورط مباشرة في المنطقة، وهذا التوازن لا يمكن أن يكتمل الا من خلال اسقاط سوريا في يد المحور الأميركي، وهذا ما يفسر جزئياً حدة المواجهة الاقليمية ـ الدولية في سوريا.

تشاك هيغل : النظام القديم في الشرق الاوسط سيزول
تشاك هيغل : النظام القديم في الشرق الاوسط سيزول 

تمكنت ايران وحلفاؤها من تحقيق انجاز تاريخي في زعزعة نظام الهيمنة الأميركية ـ الاسرائيلية في الشرق الأوسط، ولكن الخصم عنيد، ومرن وموارده هائلة، ويحاول ترميم ما خسره، لذا التحدي الجديد لهذه القوى وشعوب المنطقة يكمن في ايجاد بنية اقليمية يبقى فيها الأميركي والاسرائيلي عاجزَين عن فرض أجندتهما السياسية مع فتح أفق لخلق وتمتين التعاون الاقليمي على مستوى المنطقة. لكن هذه العملية بحاجة لمسار طويل، لا بد من الاستمرار في استنزاف واضعاف الولايات المتحدة لأن هذا سيدفع حلفاء واشنطن في المنطقة نحو امكانية البدء بتعزيز التعاون الاقليمي من خلال اطر مؤسساتية متدرجة لتعزيز التواصل الاقليمي وبناء تفاهمات سياسية وأدوات تنسيق وتشاور وآليات لحل الخلافات وصولاً الى شراكات استراتيجية ومنها الى تكامل اقتصادي، سياسي، وأمني.

وفي ظل هذه الفوضى ترتسم صورة الشرق الأوسط على شكل خرائط العصور الوسطى (حسب تعبير روبرت كابلان) حيث لم تعد الحدود السياسية قائمة الا بقدر الضرورة، فيصبح النفوذ السياسي عابراً للحدود الوطنية بشكل ضبابي، متداخلا ومعقدا، ولا سيما أن الغالبية العظمى من دول المنطقة هي دول ضعيفة وفاشلة والحكومات المركزية مشلولة بالكامل. في هذه المرحلة ترتسم صورة النظام الاقليمي الجديد بتوازنات وقواعد جديدة، ستتزايد أهمية القوى الاقليمية بالتحديد ايران وتركيا، سيصبح دور القوى الدولية في الشرق الأوسط أكثر بروزاً، دور أكثر حضوراً للجماهير والقوى غير الدولية، وصعود للهويات والحساسيات التاريخية. لا يبدو أي من المحورين معنيا بحرب اقليمية كبرى. المحوران يتصارعان ولكن بعض قواعد اللعبة المتفق عليها ضمنياً تؤدي دور صمامات الأمان.

هي لحظة تأسيسية في تاريخ المنطقة، كل خطأ يمكن أن يتحول الى خطأ قاتل، وعلى صانعي القرار محاولة التركيز على فكرة "المصالح المشتركة" لأبناء المنطقة بدل الغوص في الحساسيات الثقافية. كل موقف اليوم يجب أن يستند على حسابات بعيدة الأمد من دون الوقوع ضحية الخوف من اللحظة الراهنة. محور المقاومة أنجز ما لم يكن بالحسبان، لكن الأمور بخواتيمها، هي فرصة تاريخية تستحق كل التضحيات وتحتاج لكثير من الوعي والرؤية. فرصة تكوين شرق أوسط خارج الهيمنة الأميركية وقابل للتطور لما فيه خير شعوبه في الحرية والكرامة والعدالة.

باحث ومحلل سياسي

تعليق سياسي 8 : الولايات المتحدة وخدعة ثيران هنيبعل



(التعليق خاص بالمدونة يرجى ذكر ذلك عند إعادة النشر) 
يروى أن القائد التاريخي هنيبعل وأثناء زحفه نحو روما تمت محاصرته في أحد الأودية وأحاط به الرومان من كل صوب, وللحظات إعتقد من معه أنها النهاية, ولكنه كان محنكاً وصاحب باع في الحرب وفنونها. في إحدى ليالي الحصار طلب من الجند تجميع ما في المعسكر من ثيران وربط على قرونها مشاعل وأضاءها وقام بعض الجند بسوقها الى إحد التلال فظن الرومان أن المشاعل "المتحركة" هي جيش هنيبعل فإتجهت كل القوة االرومانية الى النقطة التي دُفعت إليها الثيران وعند وصولهم فجراً الى النقطة إكتشفوا الخدعة وشاهدوا آخر جنود هنيبعل يغادر الوادي من ثغرة أخرى. 

بعد ما جرى في العراق ولبنان وفلسطين ما بين 2001- 2009  كان موقف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط شبيه الى حد كبير بحال هنيبعل, كانت في واد محاصرة بإنجازات تاريخية لمحور المقاومة, ولم تكن بدائلها السياسية المتاحة حينها واسعة بل محدودة الى حد بعيد. للمفارقة إستخدمت واشنطن خدعة شبيهة بخدعة هنيبعل, إذ سارعت واشنطن الى إستدعاء تركيا الى دور جديد في الشرق الأوسط, وطلبت من السعودين والقطريين الإنخراط المباشر والفاعل في قضايا المنطقة . ومن خلال هذه القوى الثلاث سعت واشنطن للتحكم بالرأي العام العربي ولا سيما التيار الإسلامي الذي كان في لحظة صعود بفعل إهتزاز الأنظمة الحليفة لواشنطن في اكثر من ساحة لا سيما في مصر. ففي الوقت الذي كان يظن محور المقاومة أن تركيا إنقلبت بإتجاه مصالحه وأن صعود الإخوان المسلمين سيكون أيضا في صالحه, تبين عند إنشقاق " الفجر" أن هذه القوى لم تكن إلا "ثيران" واشنطن في الليلة الحالكة .
 
ولكن ماذا كانت المشاعل؟ حاولت تركيا أن تحدثنا عن فلسطين, عن المقاومة, عن سفينة مرمرة, عن "غضبة" دافوس, عن جهودها في الملف النووي الإيراني, وعن تقربها من النظام السوري. أما الإسلاميون فكانت وعودهم على شاكلة "على القدس رايحين شهداء بالملايين", عن توقهم للحريات والتعددية والتمرد على الهيمنة الأميركية والإستقلال السياسي والتحالف مع إيران والمقاومة. المرحلة الحالية في الشرق الاوسط هي "للواجهات الوطنية" اي النخبة الفاسدة بالمرتبطة بقوى الهيمنة الغربية.

 كشأن كل الاقاليم النامية في العالم أو الأطراف, يتحكم المركز "الرأسمالي المعولم" بمنطقتنا من خلال دمج إقتصادياتها بشكل مشوه في الاقتصاد الدولي ومن خلال نخب فاسدة تابعة وعميلة . لكن هذه النخب تتمتع بمصادر شرعية وقوة مختلفة من الدين والمال والتحالفات والإعلام, وتقوم على خدمة الهيمنة الأميركية, فما الحل؟ عنف ثوري؟ ولكن إشكاليته ان سيأخذ طابع نزاع وحروب اهلية او مذهبية. ام مواجهة القوة الاميركية - الإسرائيلية مباشرة؟ هذا حصل في لبنان والعراق وفلسطين , وحقق نجاحات باهرة, ولكن اليوم أعادت واشنطن الدور "للواجهات الوطنية" ولحلفائها الإقليميين؟ فما الحل؟ البعض سيجيب بأن الحل في "ثورات شعبية جذرية الهدف", أو في "نقل معركة الإنقسامات الثقافية والإجتماعية الى الغرب لتفتيت وحدته", او في "بناء دولة عربية مستقلة متكاملة مع محيطها" , او في مواجهة الأدوات لا سيما آل سعود, كل الإجابات فيها قدر من المنطق ولكنها ليست حلاً كافياً في المدى المنظور. هل نحن بحاجة أيضاً الى "ثيران" من نوع ما؟ سؤال للتفكير اكثر في المعضلة القائمة. 

حسام مطر 

طهران وواشنطن: الماراثون لا ينتهي

مقال منشور في صحيفة الأخبار, العدد 1963, تاريخ 22 أذار 2013


يُقال إن العلاقات الأميركية – الإيرانية تخضع لقواعد سباقات الماراثون، لا سباقات الـ 100 متر. بعد ثلاثين عاماً من العداء والتوتر والمناورات المتبادلة، تبدو المقولة أكثر من صحيحة. هل آن أوان التسوية الأميركية – الإيرانية؟ يمكن الافتراض أن السؤال أعلاه يستحق موسوعة غينيس كأكثر الأسئلة غموضاً في الشرق الأوسط. من البديهي القول إن غياب التسوية يعكس حدة الانقسامات المصلحية والإيديولوجية بين الطرفين. الإيرانيون لم يختبروا الولايات المتحدة إلا كقوة هيمنة مستكبرة لا تراعي السيادة الداخلية، ولا القانون الدولي، ولا حتى المصالح المشروعة للقوى الإقليمية. أما من ناحية الأميركيين، «فصدمة السفارة» لا تزال تحكم وعيهم تجاه إيران، بالإضافة إلى أنهم فهموا إيران من خلال «المهزومين»، أي أنصار الشاه الذين غادروا البلد، بالإضافة إلى التناقض الإيديولوجي الذي يمنع التعايش السلمي بينهما كما كانت الحال بين الأميركيين والسوفيات؛ «فالقوتان الأميركية والسوفياتية لم تكونا من هذه الناحية تنتميان إلى عالم واحد، أي لكل منهما «شكل حياة مختلف»، لذا لم يكن التعاون السلمي ممكناً»، كما كتب مارتين هوليس وستيف سميث.

سؤالان جوهريان يتجادل حولهما الأميركيون في ما يخص إيران: هل استراتجيتنا هي «الاحتواء» أم «المنع»؟ وإن كان «المنع»، فما هو المسار الواجب اتباعه لتحقيق هذه الغاية؟ في ما يخص السؤال الأول، فإنه أصبح تقليدياً كحال الإجابات، إلا أن اللافت هو إعلان إدارة باراك أوباما الثانية صراحة على لسان وزير خارجيتها جون كيري (24 كانون الثاني 2013) ونائب الرئيس بايدن (آذار 2013) أن سياستها هي «المنع لا الاحتواء»، أي ليس وارداً القبول بإيران نووية بالمعنى العسكري، ولو اقتضى ذلك اللجوء إلى الحرب. هنا يبدي بريجينسكي انتقادات قاسية لهذا المنطق الذي يرى أنّ من غير المقبول أن تمتلك إيران قدرات نووية؛ لأنه «أحياناً تكون الكلمات الكبيرة لا تعني شيئاً». البديل بالنسبة إلى بريجينسكي هو «أننا نستطيع ردع إيران النووية كما ردعنا السوفيات والكوريين مع تقديم ضمانة نووية جدية لحلفائنا في المنطقة... إن الخيار العسكري ليس في مصلحتنا؛ لأننا سنتلقى الضربة الإيرانية».
بل إن كينيث والتز ذهب إلى ما هو أبعد، محاججاً أن امتلاك إيران للسلاح النووي سيُنتج توازن قوى عسكرياً أكثر استدامة في الشرق الأوسط، وهو ما سيعزز الاستقرار الإقليمي، وليس العكس (لماذا يجب أن تحصل إيران على القنبلة، فورين أفيرز، تموز/ آب 2012).

بالنسبة إلى السؤال الثاني، يتنامى الاتجاه الأميركي المؤيد لفكرة تقديم عرض للتسوية مع إيران، باعتبار أن الفرضية العسكرية مشكوك في فاعليتها، فيما العقوبات رغم قدرتها على الإضرار إلا أنها ليست كافية لتغيير السلوك الإيراني، ولا سيما «متى كانت الغاية منها هي إذلال الإيرانيين»، كما قال برجينسكي. فالعقوبات أصبحت عبثية؛ لأن واشنطن لم تطرح جدياً على الطاولة مسألة رفعها، ويمكن أوباما تجاوز هفوات سابقيه عندما يدرك محدودية القوة العسكرية الأميركية ويثق في القوة الدبلوماسية، كما يحاجج رضا مراشي في «الفورين بوليسي» (22 كانون الثاني 2013). الاستطلاع الأخير لمعهد «غالوب» يؤيد فرضية «عقم» العقوبات؛ إذ إن 63% من الإيرانيين يؤيدون استمرار البرنامج النووي في بلدهم، وذلك رغم أن 48% قالوا إنهم يعانون مباشرة من العقوبات. الأهم أن 47% يحمّلون مسؤولية هذه العقوبات للولايات المتحدة، فيما 10% يحمّلونها للحكومة الإيرانية، و23% موزعة على إسرائيل والأوروبيين والأمم المتحدة (7 شباط 2013).

وقد سبق لغراهام أليسون (واشنطن بوست، 7 تشرين الأول 2011) أن دعا أوباما إلى تلقف عرض أحمدي نجاد «لتبادل اليورانيوم»، مشبهاً هذه الخطوة بتلك التي قام بها ريغان تجاه غورباتشوف بعد إعلان الأخير مرحلة جديدة من الانفتاح، والتي تلقفها ريغان من خلال دعوته غورباتشوف من برلين إلى «تمزيق الجدار»، وهو ما حصل بعد سنتين. كذلك دعا باتريك كلاوسون إدارة أوباما إلى تقديم عرض سخي لإيران يشمل تخفيف العقوبات والمرونة في تخصيب اليورانيوم. ورأى كلاوسون أن مجموعة 5+1 اعتمدت تكتيكاً قديماً لإحياء المفاوضات، هو «تغيير الموضوع»، الذي لم يعد وقف التخصيب، بل ضمان عدم قدرة إيران على صنع سلاح نووي من خلال شحن اليورانيوم إلى الخارج (ذي أتلنتيك، 16/1/2013). يوافق دينيس روس، بدوره، أنه في ظل تصاعد ضغط العقوبات وجدية الخيار العسكري فإن إيران تبدو جاهزة لتلقي مبادرة دبلوماسية، ولا سيما متى كان الإقرار بحقها ببرنامج نووي سلمي جزء منه، ويخلص إلى أن «البيئة مواتية الآن لإنجاح المساعي الدبلوماسية. وسوف تحدد الأشهر القليلة المقبلة ما إذا كانت ستنجح أو لا».
من مخاطر هذا العرض كما يتفق كل من كلاوسون وأليسون وروس أن تتقاعس طهران عن القيام بخطوات مقابلة أو تنفذها ببطء لتكسب الوقت. والأخطر أن يُعتبر أي عرض لإيران بمثابة إقرار بطموحاتها الإقليمية، وهذا ما يجب نفيه للإيرانيين من جهة ولحلفاء واشنطن من جهة أخرى. بحسب هؤلاء، إن رفض الإيرانيين لصفقة سخية سيكشف نيات إيران الحقيقية، ويعطي الشرعية لعملية عسكرية ضدها من ناحية أخرى، باعتبارها «شراً لا بد منه». ولذا رجح روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن، أن أوباما في ولايته الثانية سيقدم لإيران «صفقة كبرى».

في المقلب الآخر، لا زال فريق «الصقور» (أمثال مايكل سينغ ومايكل إيزنشتات من معهد واشنطن) يدعو إلى إبراز جدية أكبر للخيار العسكري، بل إن ماثيو كرونيغ كتب في «فورين أفيرز» بعنوان: «إنه الوقت لمهاجمة إيران» عبر عملية عسكرية جراحية ثم امتصاص الرد الإيراني والسعي بسرعة لاحتواء الأزمة، وإلا فإن واشنطن ستضطر إلى مواجهة أكثر كلفة في المستقبل قد تصل لدرجة الحرب النووية (كانون الثاني/ شباط 2012). أما الخلاصة اللافتة، فقد كانت من نصيب مؤسسة راند البحثية، التي رأت أنه لا الدبلوماسية ستكون مجدية، ولا جهود تغيير النظام، لذا «لا يبقى إلا دعم الإصلاح في إيران، ولكن من خلال تشجيع التحول الديموقراطي في محيط إيران – بالإشارة إلى «الربيع العربي» – بما يعطي صدقية لجهود الولايات المتحدة في دعم الإصلاح داخل إيران (مجموعة كتاب، ربيع 2012).

رغم هذه الدعوات لتقديم صفقة كبرى لإيران، وهي ما تبدت ملامحها في جولة كازاخستان بين إيران ومجموعة 5+1، التي فتحت كوة في الحائط المسدود، إلا أن التسوية الكبرى ما زالت ممتنعة، ولا سيما بسبب أن «العداء بين الطرفين، وبعد ثلاثين عاماً، أصبح مؤسسة قائمة بذاتها وليس فقط ظاهرة»، كما يحاجج تريتا بارسي (رئيس المجلس القومي الأميركي – الإيراني). ويكمل بارسي بأن تمرّس دبلوماسيي البلدين على شيطنة بعضهما، التعقيدات الداخلية، القيود الإقليمية، والضبابية التي قد تنتجها التسوية، كلها تقف أمام التسوية الكبرى (ذي أتلنتيك، 25 كانون الأول 2012). يبدو من السياق أعلاه أن إيران انتزعت اعترافاً جزئياً بكونها قوة نووية وبحقها بالتخصيب من حيث المبدأ، إضافة إلى إثباتها أن التعاطي بمنطق العقوبات والإكراه لا يسري عليها. الطرفان بحاجة إلى تبريد الأزمة، ولكن مستوى التبريد مرتبط مباشرة بما يجري في سوريا؛ إذ سيبدي الإيرانيون مرونة أكبر كلما تقدمت التسوية السورية، والعكس صحيح. لكن بالخلاصة، إنها «العداوة المؤسسة» كما يقول بارسي، ويستمر الماراثون ولو تخلله بعض محطات الاستراحة.

حسام مطر - كاتب لبناني

مقابلة على قناة فلسطين اليوم: واشنطن ستتعامل مع “الإخوان” بالمفرّق

رأى الباحث في القضايا الدولية حسام مطر أن أميركا أصبحت تدرك أنها بحاجة لأن تستمع عند حضور مسؤوليها للمنطقة وليس فقط تلاوة الإملاءات، وهي تحاول أن تقنع حلفاءها أن الشرق الأوسط لا يزال من أولوياتها، كما تسعى لضبط التهور في مصر منعاً لسقوط المنطقة في الفوضى العبثية بما يقلص قدرة واشنطن على التأثير على مسار الأحداث.

وقال مطر في مقابلة مع فضائية “فلسطين اليوم” حول جولة وزير الخارجية الأميركي جون كيري على المنطقة إن ما حصل أثناء زيارة كيري لمصر يعكس مدى تقلص نفوذ واشنطن في القاهرة، بل وإرتباكها ووقوعها فريسة القلق والتناقضات في ظل إنكشاف تحركها وطلباتها أمام الراي العام المصري الذي يتعامل معها من باب النقد وليس التجاهل والسكون. واعتبر أن الإخوان يخطئون بالظن بأن واشنطن جاهزة أو حتى قادرة على عقد صفقة شاملة معهم، بل ستتعامل معهم بالمفرق – كل قضية بقضيتها – فواشنطن ليست حبل نجاة وإلا لأنقذت مبارك الحليف الأطوع. ولفت مطر إلى أن كيري أراد التأكيد أن واشنطن لن تعتمد إستراتيجية إحتواء إيران بل “إستراتيجية منع” ولكن ذلك يبقى كلاماً كبيراً من دون معنى. أضاف: قد يحصل التبريد في الصراع الإيراني- الأميركي في ظل وصول الطرفين الى لحظة حرجة، فالتبريد يخدم تخفيف حدة التوتر بين البلدين وقد يسهم في دفع التسوية في سوريا.


وأردف قائلاً: إن النفوذ الاميركي يعتمد على ثلاثة أنواع من التحالفات في المنطقة: تحالفات إستراتيجية مع تركيا وإسرائيل، تحالفات أداة مع السعودية وقطر، وتحالفات ظرفية كما يجري مع الإخوان، بالإضافة للحفاظ على قدر من الإستقرار يحفظ قدرتهم على التنبؤ والتأثير، إلا في النقاط التي يرغبون بإحداث تغيير فيها كما يجري في سوريا. أما في شأن التسوية الفلسطينية – الإسرائيلية فإن الآميركيين غير قادرين على فعل الكثير، فالإسرائيليون مسكونون بهواجس أمنية تدفعهم للتطرف، والفلسطينيون منقسمون بقوة حول المسألة.
وختم قائلاً: الأميركون محتاجون لهذه التسوية لتلميع صورتهم وعزل إيران وحزب الله عن شعوب المنطقة بما يعزز قدرة التأثير الأميركي في هذه اللحظة التاريخية والـتأسيسية في الشرق الأوسط.