من أنا

صورتي
باحث وكاتب لبناني في العلاقات الدولية والدراسات السياسية.حائز على إجازتي حقوق وعلوم سياسية من الجامعة اللبنانية ودبلومي قانون عام وعلاقات دولية, وماستر علاقات دولية ودراسات أوروبية.حاصل على منحة تفوق من الجامعة اللبنانية لنيل شهادة الدكتوراه. حالياً يتابع دراسة الدكتوراه في العلاقات الدولية في جامعة براغ الدولية.

لؤلؤة النيوليبرالية: مرضنا الإستهلاك


مقال نشر على موقع إنباء الإخباري, بتاريخ 10\12\2012

حسام مطر
لا زالت الساحة الدولية، لا سيما الولايات المتحدة،  ترزح تحت أعباء الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة، والتي لا يزال يجري البحث عن آليات وسياسات للخروج منها.يحتل النقاش حول تفعيل الاستهلاك، لا سيما في الدول التي استطاعت تجاوز الأزمة بأقل الخسائر، موقعاً أساسياً في الطروحات المقترحة لخطط التحفيز الإقتصادي للدول المأزومة.الصين مثلاً، تسعى لرفع مستوى  الإستهلاك الداخلي وتوسعة السوق الداخلية بهدف التعويض عن التراجع في الصادرات، ويشير المختصون الإقتصاديون إلى أن معدل الإستهلاك الصيني لا يزال منخفضاً مقارنة بالدول المتقدمة.

تنوعت عبر التاريخ السبل والأساليب والسياسات (الخدع)  التي لجأت إليها القوى الكبرى في سبيل إحكام السيطرة على مقدرات الشعوب والمجتمعات المستضعفة، وذلك بما يضمن هيمنة تلك القوى وتعاظم قوتها ورفاهيتها وديمومة تسلّطها على المصائر والبصائر. وعليه كان الاستعمار إحدى هذه الأدوات التي ضمنت للدول المستكبرة نهب الثروات المادية (المواد الاولية ) وتطويع القوى البشرية (إستعباداً ، تجهيلاً ، وإستتباعاً) واحتكار التقدم العلمي والتقني.

وفي مرحلة ما بعد الاستعمار (كظاهرة مادية) تم ابتداع مجموعة من الأنظمة والمؤسسات (النيوليبرالية المؤسساتية) التي شرّعت أسساً وقواعد ونظماً تضمن استمرارية سيطرة القوى الكبرى، وتحديداً الولايات المتحدة، على النظام العالمي بكل أوجهه.
وتصاعدت في تلك الآونة نقاشات ما يعرف بسيطرة الشمال على الجنوب، وخضوع دول العالم الثالث لوصفات صندوق النقد الدولي، التي أغرقت تلك الدول بأعباء الدين العام وتدمير القطاعات العامة والضمانات الاجتماعية، وأفرغت مفهوم السيادة الوطنية من مضمونه، تحت وطأة تدخل الشركات المتعددة الجنسيات وتبعية بعض البرجوازيات الداخلية أو ما يعرف “بالكومبرادورية”.
اليوم وبعد أن وقعت الأزمة الاقتصادية العالمية التي أصابت من هيمنة الولايات المتحدة مقتلاً، يبدو أن عمق الازمة التي ضربت معظم قوى الاقتصاد العالمي، واختلال توزع القوى الاقتصادية لمصلحة الدول الناشئة لا سيما في آسيا، وكذلك عجز الولايات المتحدة عن استخدام الفعل العسكري كأداة “للتصحيح” الاقتصادي، قد أعجزت المبدع الأميركي عن خلق حلّ إلا السياسة التالية “لندخر اكثر ونستهلك أقل”.

إذاً، القوة الكبرى التي نسجت العولمة النيوليبرالية منذ أكثر من ثلاثين عاماً على سياسة وثقافة تحفيز، بل فرط الاستهلاك السلعي، بل والقيمي، وأوصلت الاستهلاك الشخصي إلى مستوى كان حكراً في القرون الوسطى على الطبقة الثرية ـ كما يقول كيسنجر مادحاً دور الولايات المتحدة في تحفيز العولمة ـ ها هي اليوم وعند أول اعتلال حقيقي تلجأ إلى وصفةِ مَن تعتبرهم أعداءً للعولمة والرفاه.
مع العلم إن حجم الاستهلاك الاميركي ما قبل الأزمة لم يكن ناتجاً عن تطور القطاعات الاقتصادية المنتجة، بل تضخم دور الأسواق المالية في الاقتصاد الاميركي من جهة، والاستدانة المفرطة من جهة أخرى لتحفيز الاستهلاك. أي بمعنى آخر، ما كان ينفقه الاميركي كان نتاج عملية النهب المنظم من خلال المضاربات وليس مرتبطاً بازدهار القدرة الانتاجية، وهو مستوى وشكل من الاستهلاك يمكن في حال تعميمه على شعوب العالم أن يؤدي إلى تدمير عشرات الكواكب بحجم كوكبنا، على حد ما أجاب غاندي يوماَ، عندما سئل عن جعل مستوى معيشة الشعب الهندي كما الشعب الانكليزي حينها.

وقد أقرت إدارة أوباما في إستراتيجيتها الجديدة للأمن القومي الاميركي سياسة “إدخار أكبر وإنفاق أقل”،  بهدف تحقيق نمو متوازن ومستدام يضمن رفاه الشعب الاميركي، على أن هذه السياسة يُفترض أن تعزّز الصادرات الاميركية وتقلّص الوارادت، بما ينعكس على تطوير القطاعات الصناعية ويقلّص نسبة البطالة من خلال خلق فرص عمل جديدة. إلا أن الإحصاءات الأخيرة من الولايات المتحدة تشير إلى تراجع مستوى الإدخار مقابل ارتفاع مستوى الاستهلاك، فيما لا تزال تشهد الصين معدلات إدخار عالية. إن القيم والثقافة الاميركية قد عملت لعقود على تحويل المواطنين إلى مستهلكين، وإعادة انتاج عبودية جديدة خدمة لأرباب الرأسمالية العالمية.  وعليه، لا تكفي الاستراتيجيات لتغيير السلوكيات المسرفة بل لا بد من نظام قيمي إنساني جديد.

ولكن على اعتبار أن مستوى الاستهلاك الاميركي الجنوني خلال العقود الاخيرة قد كان بمثابة محرك لبعض الإقتصادات الكبرى، لا سيما الاقتصاد الصيني، فإنه من واجب الدول ـ على حد قول الولايات المتحدة  ـ وفي مقدمتها الصين، دفع شعوبها نحو مستويات أعلى من الاستهلاك، بما يضمن نمو الصادرات الاميركية. ومن هنا تتصاعد حملة الولايات المتحدة تجاه الصين، على صعيد ربط العملة الصينية بالدولار وزيادة أجور العمال، الذين باتوا أكثر جرأةً وتنظيماً في تحركاتهم التي تشهد تغطية إعلامية وتحريضاً أميركياً،  وكذلك المطالبة بفتح السوق الصينية بشكل كامل للمنتجات الاميركية.

في الرأسمالية العالمية، لا يحضر مواطنون بل مستهلكون. والمستهلك لا يقترع لمرشح بل لسلعة، والسعادة يُعاد إنتاجها كإحدى مخرجات الإستهلاك الترفي، السلطة تعود للشركات الكبرى التي تعبّر عن مصالحها بشخصيات سياسية واعلامية ومراكز أكاديمية وبحثية تعمل على إنتاج ثقافة الهيمنة بشكل مستدام. إذاً إنها الوصفة الاميركية للعالم “إدخروا أقل وأنفقوا أكثر”. أما فيما يعنينا نحن في العالم العربي، فإن أموال نفطنا في جيوبكم وبنوككم.  وأما مترفونا فبيدق في نظامكم المالي والاقتصادي. وأما نحن الشعوب المسلوبة فلكم منا العهد أن لا ندّخر قرشاً واحداً بعد اليوم.

موقع الشرق الأوسط في السياسة الخارجية الصينية



إن تزايد القوة الداخلية لأي دولة والمتمثلة في قدراتها العسكرية, البشرية, الإقتصادية , والثقافية لا بد وان ينعكس في سلوكها الخارجي , إذا تميل عندها نحو التمدد والتوسع سواء ماديا, أمنيا, او بالنفوذ. لا تشذ الدولة الصينية عن هذه القاعدة إذ أنه من السهل ملاحظة نمو وإضطراد أدوراها الخارجية على الساحة الدولية بالشكل الذي يهدد النفوذ الأميركي في أكثر من جانب ومنطقة. إلا أن هذا التوسع والإندفاع الصيني يلتزم بمبدأين أساسيين هما, أولاً التمدد الحذر الهادىء بحيث لا تصبح الصين قوة الهيمنة العالمية ذات المسؤوليات والأعباء الأمنية, الإقتصادية, والسياسية, بل هي تفضل أن تبقى الولايات المتحدة تتحمل هذه التبعات التي تستنزفها بشدة  فيما هي تطور وتكثف حضورها في الاقاليم المختلفة بحد أدنى من التدخل الظاهر. والمبدأ الثاني هو أنه فيما عدا محيطها الحيوي, فإن الدافع المركزي لسلوكها وإندفاعها في باقي الأقاليم السياسية حول العالم هو دافع إقتصادي يسعى للحصول على المواد الأولية لا سيما الطاقة من جهة , والبحث عن اسواق للصادرات وفرص إستثمارية اللتان تشكلان العامود الفقري للنهوض الصيني من ناحية أخرى.

 وعليه يمكن تحليل وفهم الإستراتيجية الصينية تجاه منطقة الشرق الأوسط, أذ تدرك الصين خطورة الإنزلاق في صراعات المنطقة والتي يؤدي الفشل فيها الى تداعيات سلبية على الصين في المنطقة وخارجها نتيجة البعد الديني والإسلامي بالتحديد لهذه الصراعات لا سيما الصراع العربي – الإسرائيلي والسياسات الاميركية تجاه دول المنطقة. تاريخياً , كان الموقف الصيني أقرب الى الموقف العربي متأثراً بالبعد الشيوعي في الصين ولكن منذ بدء تحول السياسة الخارجية في السبعينات من البعد العقائدي بإتجاه البراغماتية أصبحت سياساتها أكثر واقعية وإبتعدت عن إتخاذ مواقف سياسية واضحة تجاه طرفي الصراع. وقد تأثرت هذه السياسة في فترة الثمانينات والتسيعنات بمبيعات الأسلحة الصينية لدول المنطقة لا سيما السعودية والعراق وإيران التي كان التعاون النووي جزء اساسي منها. بناء على كل ما تقدم لم يشكل الشرق الأوسط أولية السياسة الخارجية الصينية بل كان محيطها الأسيوي القريب وافريقيا وأميركا اللاتينية ومنطقة بحر قزوين تتقدم كأولوية للسياسة الخارجية الصينية. وعليه ينحصر الإهتمام الصيني في المنطقة على تأمين موارد الطاقة وبيع السلاح وثم لاحقاً شراء السلاح الإسرائيلي ذا القدرة التقنية والتكنولوجية العالية( يحتل الكيان الصهويني المركز الأول في صادرات السلاح الى الصين في ظل الحظر الإميركي – الأوروبي), أي لا توجد إستراتيجية صينية شاملة في المنطقة بعكس الأقاليم الأخرى. 

 تشكل منطقة الشرق الأوسط المصدر الأساسي للطاقة بالنسبة للصين لا سيما في ظل الطلب الصيني المتزايد على النفط والغاز الطبيعي, حيث تستورد الصين ما يقرب من 50% من إحتياجاتها للطاقة من الشرق الاوسط خاصة من إيران والسعودية, وتعمل الشركات الصينية على زيادة الإستثمار في حقول ومصافي النفط في إيران خصوصا مستفيدة من خروج الشركات الغربية في ظل العقوبات المتزايدة على إيران, وهو ما يؤدي الى موجة إنتقادات غربية للصين وإتهامها بالإلتفاف على العقوبات لتحقيق مصالحها القومية . إلا أنه نظراً للإضرابات والتهديدات المتزايدة في المنطقة والتي قد تهدد مصادر الطاقة, تشير الدراسات الى سعي صيني حثيث على تنويع واردتها من الطاقة الى مصادر خارج الشرق الأوسط مثل روسيا وآسيا الوسطى وقزوين, فيما يبرز من جهة أخرى تزايد العلاقات التجارية بين الصين والسعودية لا سيما في مجال النفط على حساب العلاقة الصينية- الإيرانية وذلك من ضمن إستراتيجية أميركية للضغط على إيران. هذا ما يقودنا للتأكيد على أن سياسة الصين في المنطقة تتأثر كثيراً بالدور الأميركي في المنطقة وطبيعة العلاقات الصينية – الأميركية,  إذ غالبا ما تستخدم الصين قضايا المنطقة في سبيل الضغط على الاميركيين لإجبارهم على تقديم تنازلات في خارج المنطقة (مثل موضوع تايوان, الدور الأميركي في الباسيفيك, موضوع حقوق الانسان, قضايا العملة والتجارة الخارجية), وكان بارزاً في هذا المجال موافقة الصين العام الماضي على قرار العقوبات الإميركية على إيران في مجلس الأمن والذي كان إنعكاساً للخطاب والسياسة الجديدة لأوباما تجاه الصين. 

رغم إستمرار الشرق الأوسط في موقع متأخر ضمن السياسة الخارجية الصينية بالمقارنة مع الأقليم الأخرى إلا أن هذا لا ينفي واقع تزايد الإهتمام الصيني بالمنطقة وإن بدون التورط في صراعاتها وهو الموقف التقيلدي للصين في المنطقة. فقد أطلقت الصين شراكة إستراتجية مع كل من السعودية (1999) وإيران (2000) , بالإضافة الى تاسيس منتدى التعاون العربي- الصيني (2004) لتعزيز التعاون في السياسات الإقليمية على الصعد التجارة, العلوم, التعليم والثقافة والرعاية الصحية. كما قامت الصين بتعيين مبعوث خاص للشرق الأوسط للمساهمة في تعزيز وتسهيل الحوار حول عملية السلام إلا أن الحذر الصيني إتجاه هذا الصراع بقي سيد الموقف. وبعد العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006 إلتزمت الصين بإرسال 1000 جندي من قوات الهندسة لمساندة قوة الأمم المتحدة العاملة في الجنوب اللبناني. كما طورت الصين ممارسة الدبلوماسية العامة في المنطقة عبر سياسات القوة الناعمة المرتكزة على تقديم مساعدات تنموية وإلغاء ديون ودعم لمشاريع البنية التحتية لا سيما للسلطة الفلسطينية والعراق في ما بعد سقوط نظام صدام حسين.

في الخلاصة, يرجح أن يبقى الدور الصيني في المنطقة هامشياً ومدفوعاً بالهاجس الإقتصادي, على ان تبقى إمكانية تطور هذا الدور مرتبطة بطبيعة الدور الأمريكي تراجعا أو صعوداً, إذ لا يستبعد أن يؤدي ضمور الدور الأميركي في المنطقة الى سعي صيني الى اللعب في نقاط الفراغ المستجدة, كما يمكن أن يؤدي توتر العلاقات الصينية – الأميركية الى دفع الصين لممارسة سياسات إستفزازية في المنطقة ذات المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة. وبكل الأحوال ستفضل الصين أن تعمل على المستوى السياسي ضمن إطار متعدد الأطراف في قضايا المنطقة, مع ميل واضح الى دعم حالة الإستقرار والهدوء ولو على حساب الديمقراطية وحقوق الانسان كما أظهرت مواقفها الأخيرة من التحركات الشعبية في المنطقة العربية.

آذار 2011

الصين والولايات المتحدة والصدام الحتمي؟ قضية تايوان المتجددة




لا زال الصعود الصيني يشكل الهاجس الأكبر للعقل الإستراتيجي الأميركي, والذي يشغله سؤال محوري, هل يمكن ان يستمر الصعود الصيني سلمياً أو أنه سينتج صداماً لا مفر منه؟ لا تتردد المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية (ذات الأصل الأميركي) في الإجابة بتأكيد أن الصعود الصيني سيفقد طابعه السلمي في لحظة ما, إذ لا يمكن أن ينعكس تراكم القوة المادية ( عسكريا وإقتصادياً) إلا بسلوك عدواني توسعي, مما يحتم التصادم بين قوة الهيمنة الحالية ( الولايات المتحدة) والقوة الصاعدة أي الصين, فالصين ليست دولة ستاتيكو أو لن تبقى كذلك في احسن الأحوال. الوقائع المتلاحقة تدعم هذه النظرية, إعتبار الصين أن كل بحر الصين الجنوبي هو من ضمن مصالحها الحيوية, تجدد التوترات مع اليابان حول بعض الجزر المتنازع عليها وتعليق صادرات المعادن النادرة إليها, تحدي التحركات الأميركية في منطقة الباسيفيك, إعتبار المناورات البحرية بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية بمثابة تهديد , حرب العملات, الهجمات المنظمة عبر الانترنت, وثم الزيادات المتلاحقة في الميزانية العسكرية الصينية.

فقد أقرت الصين منذ أيام ميزانيتها العسكرية الجديدة البالغة 91.5 مليار دولار أي ما يعني زيادة بنسبة حوالي  12%, فيما كانت زيادة العام الماضي بنسبة 7.5% , مما يشير الى عودة الصين الى معدل الزيادة السنوية والذي يبلغ حوالي 13% منذ العام 1989. إلا ان الأميركيين يعتقدون أن الزيادة الحقيقة في الميزانية العسكرية هي أعلى بكثير, فبناء على تقرير لمؤسسة المشروع الاميركي لأبحاث السياسة العامة فإن الصين أعلنت العام الماضي ان ميزانيتها العسكرية تبلغ 87.6 مليار دولار فيما قدر البنتاغون أن الرقم الحقيقي يقارب 150 مليار دولار. وبالرغم من أن الميزانية العسكرية الصينية تبلغ خمس الميزانية الأميركية إلا أنه ما يقلق الأميركيين هو تركيز الصين لقدراتها العسكرية على منطقة شرق آسيا بينما تتشتت القدرات الأميركية في أنحاء المعمورة, مما يعني ان ما تخصصه الصين لمنطقة آسيا – الباسيفيك هو أضعاف ما ترصده الولايات المتحدة للهدف ذاته. وما يضاعف القلق الأميركي هو نوعية التسلح الصيني الذي يتركز حول تطوير منظومات الصواريخ الإستراتيجية والباليستية, دفاعات جوية س-300, طائرات هجومية توازي نظيراتها الاميركية, غواصات ذات قدرات نووية, وبخلاف توقعات الكثيريين في السنوات الماضية فإن الصين أطلقت برامج لصنع حاملات طائرات, بالإضافة الى الإهتمام بالحرب السيبرية وأنظمة الأقمار الإصطناعية وأنظمة المراقبة وجمع المعلومات. يخلص التقرير أعلاه الى تعزز ملحوظ في القدرة الصينية على نقل القوة والقوات الى الممرات البحرية والجوية الإستراتيجية للتجارة والأمن والى المناطق ذات النفوذ الأميركي كمنطقة المحيط الهندي والخليج, وذلك لملىء أي فراغ يخلفه تراجع الإمبراطورية الأميركية, مما يعزز بالمقابل حالة عدم الإستقرار والإحتكاك لا سيما في منطقة آسيا – الباسيفيك.

 إلا أن قضية تايوان تبقى المحك الأصعب أو المؤشر لمسار العلاقات الصينية- الأميركية. فبالنسبة للصين تشكل تايوان القضية القومية الأولى التي لا مساومة عليها بالإضافة الى أهميتها الإستراتيجية جيوبوليتكياً وإيكو- بوليتيكاً, اما بالنسبة للولايات المتحدة فقضية تايوان تشكل حجر الزاوية لسياستها في تلك المنطقة لسببين أساسيين, اولاً أن العقل الأميركي الذي يهيمن عليه مبدأ "توازن القوى"  يعتقد أن هذا المبدأ هو السبيل الوحيد لمواجهة الصعود الصيني وليس "الإنخراط والحوار" كما تعتقد القلة, وتايوان ركن أساسي في توازن القوى الأميركي, ثانياً تحاول الولايات المتحدة جاهدة إبراز مصداقيتها تجاه حلفائها بحفظ مصالحهم في المنطقة من خطر الصعود الصيني, وعليه سيعتبر أي تراجع أميركي في قضية تايوان بمثابة ضربة قاتلة للحلف الأميركي في شرق آسيا لا سيما مع اليابان وكوريا الجنوبية.

 في هذا السياق كتب شارلز غلاسر ضمن مقال بعنوان" هل سيؤدي الصعود الصيني الى حرب" في مجلة "فورين أفيرز" داعياً الى سحب الولايات المتحدة لإلتزاماتها الأمنية تجاه تايوان التي تشكل نقطة الإحتكاك والتوتر الرئيسية مع الصين, مما سيؤدي بالنتيجة الى تعبيد الطريق أمام التعاون الصيني الأميركي ويبعد شبح المواجهة بينهما. يحاجج غلاسر بأن قضية تايوان لا حل دبلوماسي لها بل ويمكن ان تشعل حرباً نووية نظراً لقيمتها القومية بالنسبة للصينيين الذين يرونها قطعة من وطنهم لا يمكن التنازل عنها, وعليه سيؤدي الرضوخ الأميركي بخصوص تايوان الى إشباع "الشهية" الصينية على إعتبار أن ليس كل الخصوم هم على مثال هتلر (أي يمكن إشباعهم ببعض التنازلات)  ولأن مطالب الصين الأقاليمية (ليس الإقليمية) محدودة ومحددة. يعتبر غلاسر أن الولايات المتحدة فشلت ولا زالت تفشل في إدراك أن مصالحها في المنطقة منسجمة مع المصالح الصينية ولا حاجة لممارسة سياسات تنافسية او إستفزازية, بل يكفي الولايات المتحدة لضمان مصالحها في المنطقة, الحفاظ على تحالفاتها مع دول كاليابان وكوريا الجنوبية وتعزيز الردع التقليدي والنووي, وعليه لا تشكل تايوان مصلحة حيوية للولايات المتحدة وبالتالي يفضل التخلي عنها.

 ولكن سرعان ما انهالت الردود القاسية على هذه الإفتراضات لا سيما من الواقعيين الذين لم يجدوا في تحليل غلاسر ما يدعمه من التجارب التاريخية, فالقوى الصاعدة كما كتب غاري شميت ولا سيما الدكتاتورية منها هي شبية لهتلر كما حال اليابان أيضا في عصرها الامبريالي, وعليه فالخضوع مقابل هذه القوى الصاعدة سينتج مفعولاً عكسيا أي يفتح "شهيتها" لإبتلاع مناطق نفوذ جديدة على حساب القوة المتقهقرة. وبالتالي لا مجال لمواجهة الصين إلا بالردع ذات المصداقية والحفاظ على توازن القوى, عبر تمتين القيادة الأميركية عسكرياً وسياسياً في المنطقة, تاسيس علاقات إستراتيجية مع القوى الديموقراطية الصاعدة كالهند وأندونيسيا, والأهم إعادة التوازن العسكري في مضيق تايوان بعدما إختل لمصلحة الصين بفعل السياسات الأميركية المتعاقبة, بحيث ترسم الولايات المتحدة خطاً أحمر يمر عبر تايوان والذي يجب على الصين الامتناع عن تجاوزه. ويشير تقرير أميركي تم تحديثه عام 2009 الى هذا الإختلال حيث يرجح أن تنهي الصين الحرب الجوية في المواجهة حول تايوان قبل حتى أن تتمكن القوة الجوية الزرقاء ( إشارة الى تايوان والولايات المتحدة) من إطلاق طلقة واحدة", مما يعاكس كل توقعات السنوات الماضية.

 ويكمل آخرون الهجوم على غلاسر بإستعراض مقاربة إدارة أوباما للعلاقة مع الصين والتي توصف بأنها تستند الى إفتراضات غلاسر, ورغم ذلك لم تكن النتائج إلا تدهوراً متزايداً. يقول دان بلومينثال في ال "فورين بوليسي" أن مقاربة أوباما القائمة على " اعادة الإطمئنان الإستراتيجي" مع الصين عبر تأكيد عدم الرغبة الاميركية في إحتواء الصين وتبني قانون "العلاقات مع تايوان" والذي كان بمثابة تخلي عن تايوان وثم عدم القيام بما يعزز أمنها, كلها لم تسفر إلا عن نتائج عكسية فاقمت العلاقات بين الطرفين. من الواضح ان هاجس الصدام بين القوتين الصاعدة والمهيمنة, في منطقة الثقل العالمي إقتصادياً وسكانياً سيطغى على نقاشات السنوات القادمة التي يرجح ان تشهد توترات متكررة تهدد حال الإستقرار النسبي الذي ساد لسنوات طوال, على أن طبيعة الدور الإميركي كقوة عالمية ستتحدد في جوانب أساسية منها على خلاصة الكباش الذي يجري في منطقة آسيا- الباسيفيك.

حسام محمد مطر
نيسان 2011

أمريكا والصين والصبح الأفريقي



ليس خافياً على أحد الصراع الدائر بشكل محموم بين إمبراطورية الحاضر القلقة وإمبراطورية المستقبل الطامحة , أي الولايات المتحدة الأميركية والصين, حتى أن كثيراً من سياسات الطرفين التي تدور خارج نطاق المواجهة المباشرة إنما ترتبط بحسابات هذا الصراع بشكل أو آخر. هذا التنافس والصراع ليس إلا تجسيداً للقاعدة التي تحكم علاقة "قوة الستاتسكو" الساعية لحماية النظام الدولي أو الأقليمي الذي صنعته كتجسيد لمصالحها, وبين "القوة الصاعدة" التي تسعى لتغيير النظام القائم بإعتباره يقيد تمددها ولا يعترف بمصالحها. وعليه لم يكن مفاجئاً تلميح كلينتون الأخير حول ضرورة أن تتوخى أفريقيا الحذر من "استعمار جديد" يتمثل في توسع الوجود الصيني في القارة السوداء, من دون الحاجة لذكر الصين بالإسم, ما إستوجب رداً صينيا سريعا عبر الناطق بإسم وزارة خارجيتها عن أن " الصين، حالها حال الدول الافريقية، كانت تاريخيا ضحية الاحتلال والقهر الاستعماري، وتعلم جيدا ماذا يعني الاستعمار".
ينطبق التنافس الاميركي- الصيني بشكل مثير على إحدى أشهر المقولات المتربطة بإفريقيا, "في كل صباح إفريقي, يستيقظ غزال وهو يدرك حاجته للجري بسرعة تتجاوز الأسد الأسرع وإلا سيقتل, وفي كل صباح يستيقظ أسد وهو يدرك وجوب أن يسبق الغزال الأبطأ وإلا سيموت جوعاً, إذاً لا يهم إن كنت أسداً أو غزالاً لأنه عندما تشرق الشمس من الأفضل لك أن تكون قد بدأت بالركض". تستفيق كلا القوتين يومياً وهما تدركان عمق وقوعهما في هذه المطاردة المرهقة والمصيرية, وإن كانت الولايات المتحدة تستشعر يوماً بعد يوم أنها "الغزال" بحسب هذه المقولة وهو موقع لم تألفه منذ زمن ويمنعها غرورها من الإقرار به. وعليه تسعى الولايات المتحدة للإفلات من هذه المطادرة عبر جملة إستراتيجيات وتكتيكات, أبرزها إقناع الجميع لا سيما في آسيا وأفريقيا أنهم "الغزال" الذي تطارده الصين "الأسد" وأنه لا مجال للنجاة إلا بالتكتل والتحالف معا تحت عباءة القيادة الأميركية. تدرك الصين هذه اللعبة الأميركية, ولذا تروج لمبدأ "الصعود السلمي" لبث الإطمئنان والثقة, إلا أنه في واقع التجربة التاريخية للقوى الصاعدة الساعية لكسر الوضع القائم "الستاتسكو" كان العنف والسعي للسيطرة والتمدد سمة ثابتة.
ليست إشارة كلينتون حول الصين و"الإستعمار الجديد"  إلا تكراراً  لمفردات مماثلة تزرعها الإدارة الأميركية بعناية في دول شرق آسيا لشيطنة الصين بإعتبارها التهديد الفتاك لسيادة تلك الدول ومصالحها الحيوية وأمنها الأقليمي , مستغلة في سبيل ذلك الصعود الصيني المذهل ,التمدد العسكري ,خلافات بحر الصين الجنوبي وحوادث التاريخ الغابر للأمبراطورية الصينية وطبيعة النظام الحاكم. إن التمعن في قراءة سياسات الولايات المتحدة تجاه القوى الإقليمية الأخرى المناوئة لواشنطن كإيران وروسيا يكشف نموذجاً مشابهاً لذلك المتبع بوجه الصين. إذ تجهد الولايات المتحدة في خلق ورعاية الخوف والهلع في المحيط الحيوي ومناطق الـتأثير والنفوذ الإستراتيجي لكل من إيران ( دول الخليج –  الشرق الأوسط - جمهوريات آسيا الوسطى) وروسيا ( شرق ووسط أوروبا – البلطيق – القوقاز – جمهوريات آسيا الوسطى). تشكل هذه السياسة جزء من إستراتيجية القوة الناعمة الأميركية والتي تحقق نجاحات متفاوتة تجاه هذه القوى الثلاث الصين, إيران وروسيا.
بالعودة الى الدور الصيني في افريقيا فهو دور إقتصادي بإمتياز - لا سيما بعد نهاية السبعينيات وضمور البعد الإيديولوجي في السياسة الخارجية - يسعى للحصول على الطاقة, موارد أولية, أراض زراعية وأسواق للإستثمار وتوظيف فوائض الأرباح وتصريف المنتجات. يتميز الصينيون بكونهم أكثر صراحةً ووضوحاً وبراغماتية من كل القوى الكبرى السابقة التي يصف القس ديسموند توتو سياستها تجاه القارة المضطهدة, قائلاً:"عندما قدمت الإرساليات إلى أفريقيا كان الإنجيل في أيديهم والأرض في أيدينا, ثم أخبرونا: أغمضوا أعينكم و لنصلي, وعندما فتحنا أعيننا بعد الصلاة وجدنا أننا أصبحنا نمتلك الإنجيل وهم يمتلكون الأرض". أما الصينيون فلا يجدون أي حرج في التصريح أن دورهم في إفريقيا هو إقتصادي بحت من دون تغليفه أو ستره بإدعاءات حقوق الإنسان, الدين , الديمقراطية أو التنمية, وعليه هم يتعاملون مع الوضع القائم  متخففين من أثقال المثالية.
إذاً تمتنع الصين نسبياً عن التورط في السياسة, فهو مجال مكلف لها, لذا تتعامل مع قوى الأمر الواقع غير مكترثة بمفردات الشرعية ولا تدعي ذلك. بناءً عليه, تفضل كثير من الأنظمة الأفريقية التعامل مع الصين على حساب المؤسسات الدولية والإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تسعى لفرض شروط تتعدى بأشواط حقل الإقتصاد والتنمية تمكنها من الإمساك الكامل بالدولة والمجتمع الأفريقي بشكل مستدام. بالإضافة الى ذلك, تظهر الصين إستعداداً وقدرة مالية عالية لضخ الإستثمارات والأموال أكثر من القوى الدولية الأخرى, ولا تمانع في إرضاء البنى الموازية للسلطات الرسمية بما تيسر من "هبات".
 فيما تستفيد الصين من كون الدولة الأفريقية هي دولة ضعيفة بشكل عام يسودها الفساد وضعف آليات المحاسبة والشفافية, الى جانب وجود مناطق واسعة مهملة من قبل القوى الكبرى أو تتصف بتواجد محدود لها, مما يقلص فرص الإحتكاك المباشر, بعكس الشرق الأوسط. كما يلعب غياب العداء التاريخي بين الصين وأفريقيا دوراُ مهماً في قبول النفوذ الصيني بعكس القوى الغربية الأخرى. هذا المنهج "الإستعماري" الصيني تستخدمه القوى الغربية كذريعة للتحذير من الإنعكاسات السلبية على الديمقراطية وبناء الدولة في أفريقيا, متجاهلة دور شركاتها الكبرى في أبشع الممارسات النيوليبرالية في مناطق النفوذ الغربي في أفريقيا, من انتهاكات لحقوق العمال, دعم جماعات مسلحة, تدمير البنى البيئية وإستنزاف الموارد الطبيعية.
تكشف الارقام المتتالية عن عمق التوغل الصيني في أفريقيا وشدته وسرعة تصاعده. يذكر تقرير صادر عن "المجلس الصيني لتشجيع التجارة الدولية" أن 22% من الشركات الصينية التي تستثمر في الخارج كانت من حصة أفريقيا في عام 2010, مع ميل واضح لتزايد هذه النسبة. تجدر الإشارة أن أغلب هذه الشركات الصينية هي شركات مملوكة من الدولة وهو ما يشكل هاجساً إضافياً للولايات المتحدة. فيما تشير دراسة أخرى أن شركات الإعمار والإنشاءات الصينية قد جنت 20 مليار دولار في أفريقيا عام 2008, ووقعت عقوداً أخرى في ذات السنة بقيمة 40 مليار دولار, ويعتبر هذا القطاع بالإضافة الى قطاعي الزراعة والطاقة من أكبر مجالات الإستثمار الصينية في أفريقيا. وكمؤشر على نمو الإستثمار الصيني, قدرت مجموعة "ستاندرد بنك" الأفريقية أن تزيد نسبة هذه الإستثمارات بنسبة 70% بين 2009 الى 2015 لتبلغ قيمتها 50 مليار دولار سنوياً, فيما ستبلغ قيمة التجارة المتبادلة 300 مليار دولار. فيما يخلص المستشار الإقتصادي في البنك الدولي هاري برودمان,  في كتابه "طريق الحرير الأفريقي: الجبهة الإقتصادية الجديدة للصين والهند" الصادر عام 2007, الى ان هذه الزيادة هي جزء من توجه عالمي في النمو المتسارع للتجارة بين دول الجنوب النامية ( علاقة جنوب–جنوب).
نستخلص من ذلك, أن فرضية إمكان التعاون الأميركي-الصيني تتهاوى حدثاً بعد حدث, وأن التنافس والصراع ( لا الحرب) بين القوتين تتقدم بثبات. ثانياً, إن هذه المواجهة ستتمدد الى خارج النطاق الأسيوي في محاولة من كلا الطرفين للإفلات من قبضة الآخر والسعي الى تحقيق توازن قوة عبر الضغط على المنافس في نقاط ضعفه الجيو- سياسية. ثالثاً, إن النتيجتين السابقتين ستدفعان الصين الى تجاوز سياستها التقليدية في الشرق الأوسط القائمة على "رؤية نفقية" محصورة بالطاقة نحو إستراتيجية أكثر تدخلية وذات أبعاد إستراتيجية وامنية أشمل, وذلك في سبيل ممارسة ضغط موازي على الولايات المتحدة لإجبارها على الإنكفاء في المناطق ذات الأولوية بالنسبة للصين. أخيراً, يبقى تساؤل أساسي حول ما إذا كانت افريقيا ستدفع ثمن هذا التنافس على أرضها التي لم تلتئم جراحها بعد من ويلات الحقبة الإستعمارية؟
حسام محمد مطر
 22-6-2011
(نشر هذا المقال في جريدة الأخبار اللبنانية - 25 تموز 2011 - بعنوان,أفريقيا: الصين تصارع أميركا