من أنا

صورتي
باحث وكاتب لبناني في العلاقات الدولية والدراسات السياسية.حائز على إجازتي حقوق وعلوم سياسية من الجامعة اللبنانية ودبلومي قانون عام وعلاقات دولية, وماستر علاقات دولية ودراسات أوروبية.حاصل على منحة تفوق من الجامعة اللبنانية لنيل شهادة الدكتوراه. حالياً يتابع دراسة الدكتوراه في العلاقات الدولية في جامعة براغ الدولية.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اسرائيل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اسرائيل. إظهار كافة الرسائل

مقاربة جديدة لعدوان تموز: الحرب الوقائية

نشر في صحيفة السفير, العدد 12542 بتاريخ 30\7\2013
حسام مطر

سبع سنوات على العدوان الإسرائيلي على لبنان سنة 2006, ولكن حجم الحرب وتداعياتها ونتائجها يجعل منها صالحة لمزيد من الأسئلة والإجابات. لماذا وقعت تلك الحرب؟ قد يبدو السؤال عبثياً بعد كل ما قُدم من إجابات، ولكن إجابة إضافية قد تبدو غاية في الأهمية، لا سيما في ظل حملة التشويه المستمرة التي يقودها أفرقاء لبنانيون وإقليميون لتحميل «حزب الله» مسؤولية تلك الحرب.
الأسباب الرئيسة التي جرى تقديمها لتفسير الحرب تعددت، من اعتبارها نتيجة لعملية أسر الجنديين، الى سعي إسرائيل لتعزيز ردعها, الى محاولة القضاء على المقاومة, وصولاً الى تحقيق رؤية المحافظين الجدد حول بناء شرق أوسط جديد. إلا أنه يبقى هناك محدد جوهري يقدم تفسيراً أكثر وضوحاً وشمولاً ودقة لسبب تلك الحرب ويكمن ضمن مفهوم «الحرب «الوقائية», فهل كانت حرب العام 2006 حرباً «وقائية»؟

الحرب الوقائية وانزياحات القوة:

الحرب الوقائية، هي الحرب التي تُخاض «الآن» لتجنب مخاطر حرب «لاحقة» بظل ظروف أسوأ. وهذه الحرب بالنسبة لهانز مورغانثو (أحد أبرز منظري النظرية الواقعية في العلاقات الدولية)، هي وسيلة ضرورية لحفظ التوازن في النظام الدولي أو الإقليمي حتى. من أبرز المتغيرات التي تفسر الحرب، هي التحولات او الانزياحات في القوة النسبية بين الدول، او النمو غير المتكافئ للقوة بين قوة «صاعدة» وقوة «هابطة». وبعكس النظرية التقليدية التي تعتبر أن «توازن القوى» يؤدي الى الاستقرار وتراجع فرضية الحرب, فإن أورغانسكي من خلال «نظرية انتقال القوة» يحاجج بأن الحرب تصبح أكثر تحققاً كلما ارتفعت قوة الجهة الصاعدة (التي لا يرضيها الوضع القائم) لتعادل قوة الجهة المتسيدة على النظام (قوة الستاتيكو). وفي هذه الحالة فإن الفرضية الأكثر شيوعاً هي أن «قوة الستاتيكو» ـ التي تكون في طور الأفول ـ هي من تبادر نحو الحرب ضد «القوة الصاعدة» باعتبارها «الفرصة الأخيرة» لوقف صعودها قبل ان توازنها أو تتجاوزها, أي تسعى للاستفادة من ميزة التفوق قبل انعدامها. (جاك ليفي, القوة المتراجعة والدافع الوقائي في الحرب, 1987).
والحرب الوقائية هي غير الحرب الاستباقية، وعلامة التمييز الأساسية بينهما هي في عامل «الوقت», فالحرب الاستباقية تقع كرد على خطر داهم متحقق ومباشر، فيما الحـرب الوقائــية تهــدف لمواجــهة تهــديد ممكن، مستقبلي وغير متحقق لحظة الحرب. لذلك تُصنف الحرب الأميركية على العراق العام 2003 حرباً «وقائية» لا «استباقية», وما روج له المحافظون الجدد في عهد بوش هي فعلياً «الحــروب الوقائية» ولكن بقناع «الضربات الاستباقية», باعتبار أن الأولى مخالفة للقانــون الدولي, فيــما الثانية يُصنــفها كثــير من فقهاء القانون الدولي كعمل مشروع يندرج ضمن مبدأ الدفاع المشروع عن النفس, بينما يرفض آخرون ذلك معتبرين أن هذه الشرعنة تنطوي على تفسير «موسع جداً» لمبدأ الدفاع عن النفس بما يخرجه عن مقاصده.

تحولات القوة في الشرق الأوسط بعد العام 2000:

منذ نهاية الحرب الباردة في المنطقة كان الصراع والتنافس يتشكل بين محورين, أي أن قوة كل لاعب سياسي لا يمكن أن تقاس بمعزل عن قوة المحور الذي ينتمي إليه, وكل مكسب أو إخفاق لهذا اللاعب يؤثر مباشرة في ميزان القوة بين المحورين. الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان العام 2000، كان مؤشراً أن الواقع الجيو ـ إستراتيجي في المنطقة قد بدأ بالتغير, محور المقاومة انتقل نحو مسار «صعود» فيما بدأ المشروع الأميركي مسار «الأفول».
سنوات ما بعد العام 2000 كرست ذلك بوضوح, الانسحاب الإسرائيلي من غزة, الكارثة الأميركية في العراق وأفغانستان, تضرر شديد في صورة وشرعية ونفوذ الولايات المتحدة في المنطقة (أي قوتها الناعمة), تزعزع وقوة وشرعية النظام الرسمي العربي التابع لواشنطن, فشل سياسات واشنطن في لبنان لعزل «حزب الله» منذ العام 2004 حتى العام 2006, توسع النفوذ الإيراني في العراق, ارتفاع غير مسبوق في القوة الناعمة لـ«حزب الله» ومشروعه المقاوم في المنطقة, انتقال المقاومة الفلسطينية الى تحقيق توازن ردع مع «إسرائيل», تمكن النظام السوري من تجاوز عملية انتقال السلطة بعد رحيل حافظ الأسد بشكل هادئ ومستقر, وصعود الأصوليات الجهادية المعادية لواشنطن.
بعد ثلاث سنوات من غزو العراق كان الأميركيون أمام محاولة ضرورية وأخيرة لعكس مسارات القوة في المنطقة, كان لا بد من تحقيق مكسب إستراتيجي يوازي على الأقل الهزيمة الكبرى في العراق, وحينها يمكن إيقاف صعود «محور المقاومة» وعكس ديناميكيات الأفول الأميركي باتجاه الصعود والهيمنة مجدداً. في تلك اللحظة, لم تكن الولايات المتحدة قادرة على ضرب إيران او سوريا, فيما الضربة للمقاومة الفلسطينية في غزة، حتى مع فرض نجاحها، لن ترقى لدرجة المكسب الإستراتيجي، خاصة ان القطاع كان محاصراً ومعزولاً الى حد بعيد. وقعت العين الأميركية على «حزب الله», إذ أن موقعيته, دوره وحجم مساهمته في قوة المحور المنتمي إليه تؤهله بشكل واضح لأن يكون «حجر الزاوية» الذي من خلال هزيمته عسكرياً يمكن تحقيق «انزياح» جوهري في القوة النسبية بين المحورين.
ويصبح هذا التحليل واقعياً أكثر بعدما تبين أن إسرائيل شنت الحرب بقرار أميركي واضح، دفع بها دفعاً نحو المواجهة في ظل تغطية سياسية وديبلوماسية وإعلامية من الولايات المتحدة والقوى العربية التابعة لها. وقد تبين أيضاً أن الحرب الإسرائيلية كانت مقررة بالأصل في شهر أيلول من العام 2006 عشية إحياء «حزب الله» ليوم القدس العالمي. اعتبر الأميركيون أن عملية أسر الجنديين تشكل غطاءً مناسباً لشرعنة العملية العسكرية, ولذلك تقرر تقديم موعدها. وكان جاك ليفي أشار في دراسته الى أن القوة الساعية لحرب وقائية قد تلجأ لاستفزاز الخصم ليقوم بضربة أولى بهدف شرعنة الحرب الوقائية وعزل المستهدف ديبلوماسياً وتعبئة الجمهور خلف خيار الحرب باعتبار المهاجم معتدى عليه, في حالتنا هذه كانت عملية الأسر ذريعةً وغطاءً مناسباً لحرب أميركا الوقائية بوجه محور المقاومة «الصاعد» متمثلاً بـ«حزب الله».

عوامل إضافية تعزز فرضية الدافع الوقائي:

بحسب دراسة جاك ليفي، يزيد الدافع الوقائي عندما تتوفر العوامل التالية: 1ـ قوة تصور المهاجم (قوة الستاتيكو) حول حتمية الحرب المستقبلية مع القوة الصاعدة, وهذا متوفر في المثال الحالي بسبب عمق العداء الإستراتيجي والأيديولوجي بين المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي ومحور المقاومة. 2 ـ توقع المهاجم بأن القوة الصاعدة ستتجاوزه في ميزان القوة، أي تصور المهاجم حول مدى انزياح القوة العسكرية والإمكانات لمصلحة الطرف الآخر. وهذا التقدير كان واضحاً عند الأميركيين، حيث شهدت تلك الحقبة صعود الانتقادات الأميركية الحادة لسياسات بوش الإقليمية، والتي ذهبت الى أن الهزيمة في العراق كانت اشد من هزيمة فيتنام وبتداعيات أكثر خطورة. 3ـ السرعة النسبية لصعود المتحدي بما لا يدع لقوة الهيمنة مجالاً لبدائل سياسية فيندفع بسرعة نحو الخيار العسكري, هذه السرعة كانت جلية بعد العام 2000 كما أشرنا.
ثم هناك عوامل أخرى مثل, العداء التاريخي (متحقق بقوة في المثال الحالي), التنازع الأيديولوجي (متحقق بقوة أيضاً), التماس الجغرافي (متحقق بقــوة أيضاً), الحسابات الخاطئة (مثلا ممكن مراجعة دراســة م. ماثيو الصادرة عن «معهد دراسة الحروب» التابع للجيش الأميركي تحــت عنــوان «أُخذنا عــلى حــين غــرة: حــرب 2006 بين إسرائيــل وحــزب اللــه» 2008), التأثير السياسي للجهاز العسكري (دور وزارة الدفاع الأميركية في عهد بوش), وميل أصحاب القرار للمخاطرة (أحد ابرز خصائص حـقبة بوش في الحــكم).

في الخلاصة:

التفسير الموضوعي لحرب العام 2006, أنها كانت حرباً وقائية بادر إليها المشروع الأميركي في لحظة هبوط بمواجهة محور المقاومة الصاعد, وكان فشل تلك الحرب إيذاناً بنهاية النظام الإقليمي للشرق الأوسط الذي أقامته واشنطن منذ بداية التسعينيات بما ادى الى فراغات عدة أدت لتراجع حلفائه في لبنان, انهيار النظام الرسمي العربي, وتضرر متزايد للردع الإسرائيلي. بعد الحرب تيقن الأميركيون أنهم بحاجة للتراجع وتقليل الخسائر والبدء بإستراتيجية جديدة ناعمة تكشفت لاحقاً مع وصول اوباما للسلطة، حيث راج مذهب «القيادة من الخلف».
من المفيد الاقتباس عن توماس دونللي (محلل سياسات الأمن والدفاع في معهد «الأميركان إنتربرايز») حيث ختم مقاله الأخير بالقول: «نابليون قال مرة عندما تستيقظ الصين سوف يهتز العالم. أميركا ذاهبة نحو النوم وهذا ما يمكن أن يهز العالم أكثر», كما يحدث في الشرق الأوسط الآن.

ورقة بحثية: تركيا في الشرق الأوسط: بين الطموح وقيود النفوذ




حسام مطر, مجلة شؤون الأوسط, العدد 144, شتاء 2013, ص. 162-172

ملخص الدراسة:
تهتم الورقة بدراسة وتفسير التحولات في السياسة الخارجية لتركية تجاه الشرق الأوسط خلال السنوات الأربع الماضية, ويظهر من خلال الدراسة ان مبدأ "توازن القوى" كان المبدأ الحاكم للتحولات التركية إضافة الى عوامل ذاتية ثانوية مرتبطة بحزب العدالة والتنمية وتعقيدات اللعبة الداخلية. تركيا اليوم مهتمة بأن تكون بوابة إلزامية للمصالح الدولية في الشرق الأوسط, ولكن من باب الشراكة الإستراتيجية مع الناتو الذي يضمن لها جملة تقديمات امنية وسياسية تمكنها من موازنة المحور المقابل. السلوك التركي في الشرق الأوسط تفسره المصالح القومية بالدرجة الأولى فيما تتراجع المحددات الثقافوية الى مرتبة ثانية او حتى إلى "إداة". وفيما كانت تهيمن المحددات الذاتية في بداية التحول التركي نحو الشرق الأوسط إلا انه مع إختبار الحقائق القاسية في الشرق الأوسط أخذت المعطيات البنيوية والموضوعية تحتل أهمية متقدمة في كواليس صنع القرار التركي. 

مقدمة:
عادت تركيا في السنوات الأخيرة لتمارس دوراً حيوياً في الشرق الأوسط بعد أن أدارت له ظهرها لعقود من الزمن. لم يكن من الممكن لهذه "الإستدارة" أن تكون هادئة لما من تركيا من وزن إستراتيجي في ميزان قوى المنطقة الذي يحفل بدوره بالإشكاليات والصراعات والإضطرابات. وبعد سلسلة تحولات بدأت السياسة الخارجية تستقر نسبياً على منهج محدد, وهو ما يمكن أن يسهم في فهم أسباب "الإستدارة" الشرق أوسطية بالأصل ثم التحولات التي تلتها ووصولاً الى محاولة إستبيان مآلاتها المستقبلية.
تهتم الورقة بالسؤال عن أثر الدور التركي على التوازن الإستراتيجي في المنطقة؟ وهو تساؤل يستبطن جملة من التساؤلات الثانوية, لماذا "الإستدارة" نحو الشرق الأوسط؟ ما سر التوقيت؟ كيف ترى دورها في بيئة عنفية متشظية معقدة كالشرق الأوسط؟هل ترى اللعبة الإقليمية بإعتبارها لعبة صفرية؟ موقفها من صراع المحاور؟ هل تسعى تركية لخلق قواعد لعبة جديدة او انها تلعب وفقاً للقواعد المستقرة في المنطقة؟

محاور الورقة:
أولاً: مرحلة "صفر نزاعات" الرومنسية
ثانياً: التحول الثاني في ظل تحدي التحولات العربي
ثالثاً: هاجس تركيا الإقليمي: التنافس السني- السني
رابعاً: بين تركيا وإيران "الطلاق حرام"
خامساً: المأزق التركي في الأزمة السورية
سادساً: تركيا والغرب "التكيف المتبادل"

الخاتمة:
كما توقعت نظرية الواقعية الجديدة عاد توازن القوى ليحكم السياسات الشرق أوسطية, فظهور الدور التركي في الشرق الأوسط من حيث طبيعته وتوقيته ومراحله كان مرتبطاً بتراجع المشروع الصهوني- الأميركي في المنطقة لا سيما بعد حرب تموز 2006 والإنسحاب من العراق 2009. شكلت سنوات بوش كارثة إستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة حيث تمكن محور الممانعة والمقاومة من تحقيق تقدم عميق وقلب بنية القوة في الشرق الاوسط, في تلك اللحظة كانت الحاجة للاعب جديد ليعيد التوازن الى اللعبة, فكانت تركيا.
بعد الإنسحاب الأميركي من العراق, أصبحت بوابتي تركيا نحو العالم العربي اي سوريا والعراق تحت الـتأثير الإيراني المباشر, وهو ما إعتبره الأتراك وضعاً غير مقبول, وهذا أحد مبررات السياسة التركية تجاه الأزمة السورية. في الوقت الذي يسعى الغرب لعزل إيران يقوم بإتاحة المجال للدور التركي للتمدد في أي فراغ مستجد و "تلزيمه" رعاية التحول السياسي في المنطقة, هنا يظهر التحفز التركي نحو علاقات عميقة مع التيارات الإسلامية التي وصلت للسلطة للتأثير على بناء "الأنظمة الجديدة" منذ بداية تكونها. تحاول تركية بناء قدرات وبرامج وإستثمار موارد ظخمة في سبيل هذه الغاية من خلال مشاريع تنموية, برامج تبادل, زيارات رسمية عالية المستوى, والأبرز وضع أسس لشراكات إستراتيجية مع الدول العربية كما حصل مع تونس في كانون الأول\2012, حيث صرح أردوغان في حفل التوقيع بأننا " سنواصل الوقوف إلى جانبهم. ونعتبر إنجازات تونس إنجازاتنا. وسندعم التحول الديمقراطي والجهود التي تبذل لتحقيق التطور الديمقراطي في تونس". ( مجلس تعاون إستراتيجي تركي- تونسي, موقع قناة الميادين, 26\12\2012)
في المجمل تراهن أنقرة على قوتها الناعمة – وليس العسكرية - بشكل أساسي بهدف التمدد والنفوذ في المنطقة, وتسعى في سبيل ذلك الى إستعمال الخطاب الإسلامي بشكل كثيف, وهو خطاب ينحو تدريجياً نحو المذهبية. ففي الوضع السوري تطغى الخطابة والعروض السياسية والدبلوماسية التركية إلا أن ذلك رغم محدوديته في التأثير على مجريات الأزمة السورية فأنه يؤمن لأنقرة مزيداً من المعجبين والأنصار في العالمين العربي والإسلامي. وتنبع أهمية ذلك من أن الصراع على الشرعية بين القوى الإقليمية في أشد لحظاته, بسبب أن الرأي العام العربي أصبح أكثر إنكشافاً للتأثيرات الخارجية. إن الدور التركي المستجد لم يتحرك خارج الإرادة الإميركية بل كان من تأثيرات إقرار واشنطن بتراجع نفوذها الإقليمي وضمور القوة الإسرائيلية بما يحتم إقامة توازن " إسلامي سني" بوجه طهران.
على الأرجح أن لا يطول الوقت قبل أن نشهد التحول الثالث للسياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية بعد أن تكتمل مرحلة النضج, حيث لا بد من القبول بالحد الإقصى الممكن من النفوذ والمكاسب ليبدأ السعي نحو تكريس ذلك الستاتيسكو من خلال جملة خطوات تراجعية وتسويات إقليمية تعترف فيها حكومة اردوغان بحدود المثل وحقائق توازنات القوة من دون ان يعني ذلك خروج تركيا من المعادلة الإقليمية ولكنها ستصبح أكثر تواضعاً وتعقلاً وإلا سيدرك الأتراك حينها كيف أن الشرق الأوسط كائن يهوى تحطيم "الرؤوس الكبيرة".

تقرير عن ورقة : "الإستراتيجية الأميركية الذكية لمواجهة حزب الله"

نشر المركز الإستشاري للدراسات والتوثيق- بيروت، ورقة بحثية تحت عنوان "الإستراتيجية الأميركية الذكية لمواجهة حزب الله" (12 صفحة) للمحلل والباحث في العلاقات الدولية حسام مطر.


يحاجج الأستاذ مطر بإن نهاية عدوان إسرائيل عام 2006 على لبنان وإخفاقه في تحقيق أهدافه السياسية بوجه حزب الله، أدى الى زيادة التورط الأميركي في المواجهة مع الحزب ولكن بالإستناد الى إستراتيجية جديدة قوامها القوة الناعمة. تبرز الورقة كيف تحول الجهد الأميركي نحو المجالات التي تقع خارج النطاق العسكري عبر محاولة ضرب الوعاء المجتمعي الذي ينطلق منه حزب الله وذلك من خلال إستخدام أدوات إعلامية، سياسية وثقافية بهدف تشكيل صورة جديدة لحزب الله في الوعي اللبناني والإقليمي تجعل منه معرضاً لإمكانية هزيمة عسكرية في مرحلة لاحقة. تهدف هذه السياسة الأميركية – بحسب مطر - الى تحقيق اربعة غايات أساسية: تقليص شرعية المقاومة، تعميق الانقسام الوطني حول دورها، عزلها على المستوى الخارجي، وتقييد خياراتها السياسية وقدرتها على المبادرة.

يهدف الباحث الى إستكشاف التغير الذي طرأ على السياسة الأميركية تجاه حزب الله منذ حرب 2006، وهو تغير جوهري، عميق وشامل. تبرز أهمية فحص هذا التغير على مستويين، أولأ على المستوى النظري هي تتيح تقويم فعالية القوة الناعمة ضمن ظروف محددة وهو جدال جوهري يدور مؤخراً بين مؤيدي )الليبراليون أمثال جوزيف ناي، فريد زكريا) ورافضي (المحافظون الجدد بالتحديد) فكرة اللجوء للقوة الناعمة كخيار أساسي. وثانياً أهميتها العملية في أنها تتيح فهم أفضل لسلسلة من الأحداث والسلوكيات السياسية على المستويين اللبناني والإقليمي بإعتبارها جزء من سياسة محددة وليست نتاج الإرتجال والصدفة، وذلك بدوره يتيح إمكانية أفضل للتوقع بمسارات المواجهة في المدى المنظور بالحد الأدنى في لحظة إقليمية يهيمن عليها الإرباك عدم اليقين. تستند الورقة بشكل أساسي على رؤية جوزيف ناي للقوة الناعمة التي كان له سبق التنظير لها منذ بداية التسيعنيات بالإضافة الى "دليل الحكومة الأميركية لمكافحة حركات التمرد" الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية عام 2009.
تنقسم الورقة الى العناوين الفرعية التالية :

• القوة الناعمة: المغنطيس بدل المطرقة
• حزب الله: "هيدرا" لا يمكن قتلها
• خيار القوة الناعمة: إستهداف الحاضنة البشرية
• تقليص النفوذ الوطني لحزب الله
• شيطنة حزب الله: الوصمة الإجرامية
• تهميش رسالة حزب الله:


في الخلاصة، بدل "اصطياد" حزب الله تسعى واشنطن الى تلويث المحيط الذي يسبح فيه، أي جعل الحزب "جسماً غريباً" داخل البيئة الوطنية والإقليمية بحيث تنبذه تلك البيئة التي يتحرك فيها ومنها، وحينها فقط تصبح فرضية القضاء عليه عسكرياً متاحة. في المحصلة الأولية يبدو أن السياسة الأميركية حققت جملة نجاحات مستفيدة بشكل أساسي من إهتراء النسيج الوطني اللبناني والإحتقان الإقليمي المذهبي وهو ما ساهمت الأزمة السورية في تعميقه بفعل تصويرها كصراع مذهبي بعيداً عن الحسابات السياسية والإستراتيجية. يبدو الحزب مدركاً لهذه الخسارة ولكن وإن كانت لن تدفعه الى تغيير موقفه من الأزمة السورية إلا أنه يسعى للحد منها من خلال محاولة تكريس جهد كبير لتقديم وتفسير وعرض موقفه من الأزمة للجمهور بكل تفاصيلها وخلفياتها لا سيما عبر الإطلالات الأخيرة لأمينه العام المتكفل بشكل خاص بهذه المهمة الشاقة.

يخلص الباحث حسام مطر أيضاً الى أن واقع الشرق الأوسط كمنطقة مكتظة بالدول الضعيفة او الفاشلة في ظل أزمة هوية عميقة بفعل غلبة الإنتماءات العصبية والجهوية الأولية التي لا تعترف بحدود الجغرافيا السياسية، أي واقع يتصف بهيمنة نخب ذات تبعية لمراكز القوى الدولية لا سيما قوى الرأسمالية المعولمة، ضعف للهويات السياسية، طغيان الإنفعالات التاريخية والعقيدية، وتناقض بين الإنتماء للدولة والجماعة الخاصة، كل ذلك يعزز فعالية القوة الناعمة الأميركية المنطقة بوجه القوى المماثلة لحزب الله كحركة مقاومة.
يختم مطر ورقته بالقول أن التقويم النهائي لهذه السياسة الأميركية لا زال يحتاج مزيداً من الوقت لأنها بالأصل تهدف الى إعادة تشكيل هويات وقيم مختلفة وهي عملية تحتاج لسنوات طويلة، كما أن المنطقة تمر بلحظة فوضى تشتعل فيها العصبيات ولذا لا بد من مراقبة ما سيرسخ منها بعد إنتهاء هذا المد الطائفي المقيت. يضاف الى ذلك أن تجربة حزب الله وإنجازاته التاريخية بوجه الكيان الصهوني لا زالت حية ولها موضعها في النفوس وإن خفتت مؤخراً. والأهم أن الحزب ومن خلال تصريحات قيادته وسلوكه الإعلامي بدأ يدرك بشكل متزايد أهداف وأدوات وطبيعة السياسة الأميركية الجديدة . وعليه بدأ حزب الله في الآونة الأخيرة بمحاولة الإستجابة لهذه السياسة بجملة رسائل وخطوات إعلامية وسياسية وثقافية ، ولكن تقويم هذه الخطوات ومدى فاعليتها يحتاج الى بحث وتوسع في مرحلة لاحقة.

يمكن تحميل الورقة كاملة من خلال الرابط التالي على موقع المركز الإستشاري للدراسات والتوثيق:
 http://www.dirasat.net/uploads/item_mak_m/4410741.pdf

مقابلة على قناة فلسطين اليوم: واشنطن ستتعامل مع “الإخوان” بالمفرّق

رأى الباحث في القضايا الدولية حسام مطر أن أميركا أصبحت تدرك أنها بحاجة لأن تستمع عند حضور مسؤوليها للمنطقة وليس فقط تلاوة الإملاءات، وهي تحاول أن تقنع حلفاءها أن الشرق الأوسط لا يزال من أولوياتها، كما تسعى لضبط التهور في مصر منعاً لسقوط المنطقة في الفوضى العبثية بما يقلص قدرة واشنطن على التأثير على مسار الأحداث.

وقال مطر في مقابلة مع فضائية “فلسطين اليوم” حول جولة وزير الخارجية الأميركي جون كيري على المنطقة إن ما حصل أثناء زيارة كيري لمصر يعكس مدى تقلص نفوذ واشنطن في القاهرة، بل وإرتباكها ووقوعها فريسة القلق والتناقضات في ظل إنكشاف تحركها وطلباتها أمام الراي العام المصري الذي يتعامل معها من باب النقد وليس التجاهل والسكون. واعتبر أن الإخوان يخطئون بالظن بأن واشنطن جاهزة أو حتى قادرة على عقد صفقة شاملة معهم، بل ستتعامل معهم بالمفرق – كل قضية بقضيتها – فواشنطن ليست حبل نجاة وإلا لأنقذت مبارك الحليف الأطوع. ولفت مطر إلى أن كيري أراد التأكيد أن واشنطن لن تعتمد إستراتيجية إحتواء إيران بل “إستراتيجية منع” ولكن ذلك يبقى كلاماً كبيراً من دون معنى. أضاف: قد يحصل التبريد في الصراع الإيراني- الأميركي في ظل وصول الطرفين الى لحظة حرجة، فالتبريد يخدم تخفيف حدة التوتر بين البلدين وقد يسهم في دفع التسوية في سوريا.


وأردف قائلاً: إن النفوذ الاميركي يعتمد على ثلاثة أنواع من التحالفات في المنطقة: تحالفات إستراتيجية مع تركيا وإسرائيل، تحالفات أداة مع السعودية وقطر، وتحالفات ظرفية كما يجري مع الإخوان، بالإضافة للحفاظ على قدر من الإستقرار يحفظ قدرتهم على التنبؤ والتأثير، إلا في النقاط التي يرغبون بإحداث تغيير فيها كما يجري في سوريا. أما في شأن التسوية الفلسطينية – الإسرائيلية فإن الآميركيين غير قادرين على فعل الكثير، فالإسرائيليون مسكونون بهواجس أمنية تدفعهم للتطرف، والفلسطينيون منقسمون بقوة حول المسألة.
وختم قائلاً: الأميركون محتاجون لهذه التسوية لتلميع صورتهم وعزل إيران وحزب الله عن شعوب المنطقة بما يعزز قدرة التأثير الأميركي في هذه اللحظة التاريخية والـتأسيسية في الشرق الأوسط.

الباحث حسام مطر لفلسطين اليوم: جولة كيري في المنطقة

خيارات أوباما الخارجية بين «الشرطي» و«المنارة»

صحيفة الأخبار, العدد ١٨٥٨, ١٣ تشرين الثاني ٢٠١٢

 حسام مطر

تبدأ السياسة الخارجية لأي دولة من خلال رؤية النخبة الحاكمة للعالم، ومفهومها لدورها فيه، وثقافتها الإستراتيجية، وتجربتها التاريخية. وهذه كلها تتعرض للتغيير النسبي مع الوقت بحسب التطورات الاجتماعية وموازين القوى الداخلية وتحوّلات النظام السياسي. لطالما عانت الولايات المتحدة من إشكالية تعريف دورها في العالم، بفعل مزيج من الغطرسة، والغرور، والانبهار بالذات، والنجاحات، وحتى المآسي التي يتشكل منها «العقل الأميركي». فهل تبني واشنطن سياستها الخارجية على أساس أنّها شرطي العالم، أم قوة إمبراطورية، ام أنّها منارة تجتذب الأتباع؟ هذه الإشكالية واجهت أوباما منذ بداية حملته الانتخابية الأولى وستستمر الى حين نهاية ولايته الثانية التي حظي بها منذ أيام. يحتدم هذا النقاش في عهد أوباما بفعل الحاجة الأميركية الملحة الى التقشف ولا سيما في الميزانية العسكرية، في زمن تتصاعد فيه قوة الصين العسكرية والاقتصادية، والتهديد النووي الإيراني، وانبعاث قوى «لا دولتية» (non- state actors) ذات تصميم وخطورة لا يمكن التعامل معها بوسائل الحرب التقليدية.


عارض المحافظون (بمن فيهم مرشحهم الخاسر رومني) بالإضافة للمؤسسة العسكرية الأميركية خطة أوباما للتقشف في الميزانية العسكرية، وإن كانت معارضة العسكر بديهية فإنّ موقف المحافظين نابع من طموحهم للعب دور «شرطي العالم». وزير الدفاع ليون بانيتا اعتبر أنّ الأمن القومي هو «قوتنا العسكرية» قائلاً «ندرك انّ الموارد محدودة وعلينا التعامل مع هذه التحديات، لكن لا اعتقد ان علينا الاختيار بين امننا القومي والمسؤولية المالية»، فيما يرفض توماس دونيللي (محلل سياسات امنية ودفاعية لدى مؤسسة «أميركان إنتربرايز» المحافظة) هذا التقليص كون الجيش الأميركي كان يقوم بجهد متزايد بميزانية أقل منذ نهاية الحرب الباردة، إذ إن مقارنة الميزانية الدفاعية مع نسبة الثروة الأميركية تظهر أن هذه الميزانية لا تزال تتناقص منذ تلك الفترة. إن خفض النفقات العسكرية سيترك عواقب يمكن قياسها بتراجع القوة والنفوذ والأمن الأميركي. يحاجج أنصار هذا الرأي بأنّ ما تقوم به الولايات المتحدة ليس تحملاً لأعباء الآخرين بل أنّها تخدم «الخير العام العالمي» وذلك لأنّ التحالفات الأمنية الأميركية تنطبق عليها شروط «الخير العام».

يتخوف بعض الأميركيين أن يكون التقشف في الميزانية الدفاعية غير ممكناً، لأسباب عدة كما يراها مايكل اوهانلون: نظام رعاية العسكريين أصبح مكلفاً جداً في السنوات الأخيرة لا سيما مع استدعاء الاحتياط وأعداد الجرحى. ثانياً هناك كثير من النفقات العسكرية العادية سترتفع أكثر من التضخم باعتبار أنّ الإنفاق العسكري هو جزء من الاقتصاد. وتشمل هذه النفقات الرعاية الصحية للعسكريين (50 مليار دولار سنوياً)، وجذب قدرات بشرية جديدة الى الجيش برواتب منافسة. كما أنه من الصعب العودة الى خفض شراء الأسلحة كما فعل كلينتون إذ إنه استفاد من البرامج العسكرية والمعدات التي نتجت من سياسة ريغان التسلحية خلال الحرب الباردة وهي لم تعد متوافرة اليوم إذ «إننا لا نملك معدات حديثة الصنع، يعتمد عليها وموثوقة». لذلك وافق البعض، كستيفين هادلي على الاقتطاعات بشرط أن تكون حذرة وبحسب طبيعة التهديدات والأولويات. لذا يجب الحذر من القيام بالاقتطاع من الحسابات غير الدفاعية (برامج وزارة الخارجية) لصالح الميزانية الدفاعية، لا سيما أن الولايات المتحدة تحتاج حالياً اكثر الى الأدوات غير العسكرية في سياستها الخارجية كما في العراق وأفغانستان واليمن والصومال «حيث نقوم بتجهيز وتدريب ودعم القوات المحلية، مشاركتهم الاستخبارات، ربما نستخدم بعض القدرات الجوية والقوات الخاصة. هذا هو النموذج الذي سنخوض من خلاله الحرب خلال السنوات العشر المقبلة».

في المقابل، حسم اوباما خياره في المقلب الآخر، الولايات المتحدة تريد قيادة العالم ولكن ليس تأسيس إمبراطورية، تقديم النموذج وليس الشرطي، المغنطيس وليس المطرقة، وإلا فإنّ الولايات المتحدة ستقع فريسة «فرط التوسع الإمبريالي». ربما يكون جوزيف ناي أفضل من لخص الخطوات المطلوبة، بالإضافة لتقليص الإنفاق العسكري، الحد من التدخل العسكري البري، الامتناع على سياسة «بناء الدول»، نقل المسؤوليات الى الحلفاء، إلا أنّ البداية تكون بإدراك ان قوة وتأثير أميركا في الخارج تبدأ من الخطوات التي نتخذها في الداخل، او ما يسميه أوباما «بناء الأمة الأميركية». يعتقد ناي انّ الولايات المتحدة تختلف عن بريطانيا بعدم رغبتها في بناء إمبراطورية، بل بأن تكون «مدينة مضيئة من على تلة»، لذا إنّ الإستراتيجية الذكية لحفظ قوة اميركا ودورها العالمي يجب أن تستند الى صياغة السياسة الخارجية بشكل «يناسب الملابس التي نملكها» كما يقول ناي. يتوافق كريستوفر بريبل (نائب مدير الدراسات الخارجية والأمنية في مؤسسة Cato) مع ناي بأنّ تضخم الميزانية الدفاعية ناتج من جزء منه من الاتكالية الأمنية عند حلفاء واشنطن التي كانت توجه موارد متزايدة لأداء دور الشرطي، «لذا فإن تراجع أميركا عن بعض أدوارها سيجبر حلفاءها على تحمل مسؤوليات متزايدة تجاه أمنهم»، وهو ما عبر عنه دوف زاخيم (مسؤول كبير سابق في البنتاغون) بالقول أثناء تدخل الناتو الأخير في ليبيا: «فلندع الآخرين يتحملوا كل الأعباء، ولو لمرة على سبيل التغيير فقط».

Obama-middle-eastيتم التعبير عن سياسة أوباما هذه «بالقيادة من الخلف» كما في ليبيا وسوريا، وقد انتجت هذه المقاربة هجوماً منسقاً وشرساً من الديموقراطيين، ومن جون ماكين وسارة بايلن وجون بولتون، إذ اتُهم أوباما باتباع باريس وأنّ عملية ليبيا كانت كارثة إستراتيجية. إلا أنّ ديفيد رمنيك (كاتب في مجلة «نيو يوركر») انتقد الجمهوريين إذ إنّهم في انتقادهم لسياسة أوباما الخارجية «لا يركزون على نتائج هذه السياسة بل على التشديد على قوة أميركا والتأكيد على مجدها». ويكمل رمنيك بأنّ «أوباما ليس أول رجل دولة يدرك أن من الأسهل تحقيق النصر إذا لم تحتج للإعلان بصوت عالي عن انتصارك». بناء على ما تقدم، لن تشهد سياسة أوباما تجاه الشرق الأوسط تحولاً بارزاً، سيبقى الحلفاء في الواجهة (تركيا ــ الخليج)، مع محاولة تعميق التحالف مع الإسلاميين، واعطاء ضمانات متزايدة للأمن الإسرائيلي مقابل الإمساك بقرارها الإستراتيجي، الى جانب تشديد الخناق على إيران عبر العقوبات والعزلة وبناء حلف «سني» موازن لها، والاستمرار باستنزاف النظام السوري والعمل على قضم سلطته تدريجياً وبحذر. إلا أنّ عرضاً أميركياً لتسوية كبرى مع إيران يبدو مرجحاً، إما من باب إيجاد مخرج للأزمة أو من باب الفرصة الأخيرة لإيران قبل الانخراط في عمل عسكري ضدها، إلا أنّ هذا العرض لن يتبلور قبل شهور، ولن يكون معزولاً عن تسوية الأزمة السورية.

يعتقد نوام تشومسكي أنّ معضلة واشنطن الحالية في الشرق الأوسط هي أنّ «تراجع قوتها لم ينتج تراجعاً في طموحاتها»، إذاً المشكلة عند الأميركيين هي في تشخيص أهدافهم ومصالحهم في الشرق الأوسط، كون واشنطن تنكر وتتجاهل حقوق شعوب المنطقة في السيادة السياسية والاقتصادية والخيار الثقافي، أي أنّ المشكلة ليست فقط في السياسات والأساليب. فالمشكلة ليست فقط في سياسات بوش العنيفة «الصلبة»، بل حتى في سياسات أوباما «الناعمة»، أي في «الرؤية النفقية» التي لا ترى في الشرق الأوسط أكثر من خزان للنفط. فقدت واشنطن حلم «الإمبراطورية» في الشرق الأوسط، واليوم تتنازعها رؤية «الشرطي» ورؤية «النموذج الملهم»، حتى ذلك يبدو عصياً بفعل دماء أطفالنا الموسومة «كالحنة» على يدي أميركا. هنا تحتاج واشنطن إلى قوة اخرى تشكل انعكاساً لها او ظلاً يخفي الملامح القبيحة، لذا تتقدم تركيا اليوم، تارة «كالشرطي»، كما في سوريا وليبيا، وتارة «كالنموذج الملهم» في مصر وتونس وغزة.

* باحث في العلاقات الدولية

الخيارات الإسرائيلية في ظل المتغيرات الجيو ـ إستراتيجية

مقال نُشر في الإنتقاد, بتاريخ 9 تشرين ثاني 2012

حسام مطر *


يبدو المشهد الإقليمي في أشد لحظاته تعقيداً وضبابية لا سيما في ظل الإنتفاضات والتحولات التي تعصف بالمنطقة العربية منذ ما يقارب السنة والنصف. لم تأت هذه من فراغ بل سبقها تحول عميق في البيئة الإقليمية وانقلاب جوهري في ميزان القوى الإقليمية بفعل الهزائم المدوية للمشروع الأميركي ـ الصهيوني في المنطقة لا سيما في العراق ولبنان وغزة. إن تراجع النفوذ الأميركي خلال السنوات الأخيرة أنتج فراغا في القوة إنعكس إنكشافاً لدى الأنظمة العربية التابعة له وهو ما أسس لإمكانية إزالة النظام العربي “القديم” الموالي لواشنطن كما حصل بالتحديد في تونس ومصر. في مواجهة هذا التحدي تبنت واشنطن سلسلة خطوات من أبرزها:

الخيارات الإسرائيلية في ظل المتغيرات الجيو ـ إستراتيجيةـ إتاحة المجال لدور تركي جديد في المنطقة قادر على موازنة الدور الإيراني من خلال قيادة تركيا لحلف سني نظراً لما تمتلكه من قدرات وإمكانات وموقع وارتباطها الإستراتيجي بحلف الناتو.
ـ دفع الدول الخليجية الى تحمل مسؤوليات إضافية ومباشرة في المواجهة الإقليمية وذلك من خلال مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية، إذ إن واشنطن لم تعد قادرة على تحمل اكلاف لعب الدور المباشر والكامل.
ـ رفع مستوى التنسيق الأمني والعسكري مع الكيان الصهيوني لمواجهة التحديات الأمنية المتزايدة من جبهات عدة، وهو ما تمت ترجمته بزيادة الدعم العسكري وبرنامج القبة الحديدية وتأكيد الإلتزام الأمني الكامل من قبل إدارة أوباما تجاه “إسرائيل”.
ـ إنتقال الولايات المتحدة الى “القيادة من الخلف” والإكتفاء بتقديم دعم دبلوماسي ولوجيستي لحلفائها في المنطقة، مع التركيز على القوة الناعمة بدل تلك الصلبة.
ـ لم تتمسك واشنطن بحلفائها الذين سقطوا بل سارعت الى محاولة التفاهم مع التيار الإسلامي الصاعد لصياغة تفاهم متبادل على مستوى القضايا الكبرى، ولكن رغم بعض التفاهمات الجزئية إلا ان عدم الثقة ما زال يحكم علاقة الطرفين.

لم يكن هذا التراجع في النفوذ الأميركي ممكناً لولا الهزيمة المدوية في تموز 2006 والتي كانت المحاولة الأميركية الأبرز للخروج من المأزق العراقي ومحاولة قلب الطاولة على سوريا وإيران اللتين أطبقتا على المشروع الأميركي في العراق في تلك المرحلة، وقد كان للانتصار في حرب تموز جملة مفاعيل بالغة الأهمية:
ـ كرست الحرب محدودية القوة الإسرائيلية في فرض وقائع سياسية تعكس مصالحها في المنطقة.
ـ لم يعد بإمكان “إسرائيل” شن أي حرب مستقبلية بعيداً عن الإرادة الأميركية، نظراً لاحتمالية تمدد أي معركة مقبلة الى المستوى الإقليمي وهو ما يستلزم دوراً أميركياً مباشراً.
ـ تحول “إسرائيل” الى عبء إستراتيجي على الغرب سواء مادياً أو معنوياً، وهو ما يثير إنقاسامات داخلية متزايدة في الغرب لا سيما الولايات المتحدة عن جدوى الدعم اللامشروط للكيان الصيهوني.
ـ إنتقال “إسرائيل” الى مستوى الردع الدفاعي، والإهتمام بتحصين الجبهة الداخلية وردع خصومها من الهجوم، بعدما فقدت القدرة على المبادرة الهجومية والحسم السريع.
ـ رفعت الحرب من وزن حزب الله الإستراتيجي في المعادلة الإقليمية.

كل هذه التحولات العميقة في توازنات المنطقة والتي ساهمت في تضرر صورة الولايات المتحدة وشرعيتها وإستنزافها إقتصاديا، فاقمت من الازمة الإقتصادية التي تعصف بالغرب منذ ثلاث سنوات. في مقابل هذا التراجع الأميركي ومحاولته الدفع بدور تركي ـ خليجي الى الواجهة برزت بقوة المصالح الروسية ـ الصينية على المستوى الدولي وخاصة في الشرق الأوسط نتيجة أهميته الجيو ـ إستراتيجية. تجد الصين أن الولايات المتحدة تظهر عدائية متزايدة تجاه صعودها وتدفع بمزيد من القوات والموارد باتجاه منطقة الباسيفيك، ولذا بدأت الصين تدرك بشكل متزايد حاجتها الى سياسة خارجية أكثر وضوحاً ودور أكثر فاعلية في الشرق الأوسط لموازاة الضغط الأميركي، إلا ان هذا التوجه ما زال في بداياته.
التغير الحقيقي هو في الموقف الروسي، حيث يجد الروس فرصة لاستعادة بعض النفوذ الدولي وممارسة دور متزايد في ظل محدودية القوة الأميركية. إلا أن الروس يتزايد إهتمامهم بالشرق الأوسط خوفا من خسارة ركيزتيهما المتبقيتين إيران وسوريا لحساب دور تركي أكبر يطمح للتمدد أيضا باتجاه آسيا الوسطى التي تصنف ضمن المجال الحيوي الروسي حيث تنشط الحركات الإسلامية الإنفصالية.

في ظل كل هذه التطورات أصبح قرار الحرب في المنطقة قراراً شديد التعقيد والخطورة والصعوبة باعتبار أن أي حرب ستكون مرشحة لتتوسع إقليمياً، وبالتالي لا بد لقرار الحرب أن تشترك فيه مجموعة دول إقليمية ودولية. في اللحظة الراهنة يبدو الخيار الإسرائيلي هو انتظار مآلات الأزمة السورية لأنها الأقل تكلفة كون “إسرائيل” ليست متورطة بها بشكل مباشر، ويمكن في حال سقوط النظام أن تتغير حسابات المعركة بالنسبة لها بالكامل، وهذا التقدير تشترك فيه مع الأميركي أيضاً. الإسرائيلي منشغل في دراسة التغييرات التي تطرأ على البيئة الأمنية الجديدة ودراستها وإعادة تشكيل سياسة دفاعية جديدة تتناسب معها ولكنه ما زال يعتبر التهديد الإيراني هو الأكثر حضوراً. وفي شأن الخيارات الإسرائيلية يمكن إيراد النقاط التالية:

ـ ان القرار الإسرائيلي بالحرب أصبح خاضعاً بنسبة كبيرة للموقف الأميركي في المنطقة ولا يمكن لـ”إسرائيل” الإنخراط في معركة بمعزل عن موافقة الولايات المتحدة، لذا لا يمكن تقدير الخيارات الإسرائيلية بمعزل عن سياسة واشنطن في الشرق الاوسط وأولياتها.
ـ تعتبر كل من “اسرائيل” والولايات المتحدة أن أي حرب إسرائيلية حالية على لبنان من شأنها تقويض الجهود الاميركية في سوريا وتعيد تعزيز شرعية المقاومة. كما أن هجوما كهذا قد يشكل ذريعة تتيح لمحور المقاومة توسعة الصراع بهدف تخفيف الضغط عن النظام السوري.
ـ هناك قلق إسرائيلي بعد زوال النظام المصري ووهن النظام الأردني لاحتمال أن دخول قوى عربية الى اي مواجهة مقبلة أصبح جدياً، إذ ان مبارك شكل ضامناً لمنع القوى المصرية من التدخل في الحروب السابقة ولكن الآن يمكن بسهولة لقوى عربية ان تتدخل في أي صراع بين حزب الله و”إسرائيل” أو حماس و”إسرائيل”.
ـ لكن يثار تساؤل حول إمكانية قيام “إسرائيل” بتوجيه ضربة محدودة لعمليات نقل سلاح كيميائي من سوريا الى لبنان، عند هذا المستوى من المحتمل جداً ان تبادر “إسرائيل” الى هذه الخطوة ولو بدون الموافقة الأميركية.
ـ من الإحتمالات الجدية هو توسع الصراع في سوريا الى صراع إقليمي وهذا ما يثير قلقاً من ناحية بالنسبة لـ”إسرائيل” كونها ستكون الهدف الأفضل لمحور المقاومة، ولكن في ذات الوقت هي تستعجل سقوط الأسد وترى أن التدخل الدولي في سوريا سيجعل “إسرائيل” تبدو في المحور الذي يضم قوى عربية وإسلامية بوجه إيران وحزب الله، وهو ما يخدم الدبلوماسية العامة الإسرائيلية مع الرأي العام العربي.
ـ الخيارات الإسرائيلية الحالية مرتبطة بما ستؤول إليه الأزمة السورية من ناحية، وبالملف النووي الإيراني من ناحية أخرى. تتحضر “إسرائيل” للسيناريو الأسوأ وتواصل إستعداداتها الميدانية، في حال فشل الغرب في إيقاف البرنامج النووي الإيراني ولم يتمكن من الإطاحة بالنظام السوري.
ـ يفترض البعض أن “إسرائيل” والولايات المتحدة ربما تستغل إنشغال النظام السوري وتضرر شرعية حزب الله على المستوى الإقليمي والإنقسام الداخلي حول السلاح والضغوط المتزايدة على إيران، للقيام بضربة عسكرية في ظل هذه الظروف المثالية، ولكن بالنظر لما اوردناه سالفاً يبدو هذا الإفتراض ضعيفاً.
ـ الخيار الإسرائيلي ـ الأميركي لهذه المرحلة هو الإستمرار في إستنزاف المقاومة لا سيما معنوياً وعزلها عن الرأي العام العربي وتعميق الإنقسام الداخلي حولها، وتكريس صورة جديدة للمقاومة كميليشيا مذهبية إجرامية تابعة لإيران، وذلك الى حين اكتمال شروط تنفيذ ضربة عسكرية.

في الخلاصة، ورغم الضجيج الذي يثار في أكثر من جبهة، تبقى التطورات السورية هي الفيصل في المرحلة المقبلة مع إمكانية متزايدة لتوسع الصراع الى المستوى الإقليمي. تبدو الولايات المتحدة حريصة على عدم توسع الصراع في هذه المرحلة لعدم إعطاء ذريعة لتدخل أكثر وضوحا للمقاومة وإيران وروسيا ولعدم تشتيت الإنتباه عن الساحة السورية لا سيما مع إعتقاد الإدارة الأميركية أن العقوبات والضغوط على إيران بدأت تؤتي أكلها. ولذا تضبط واشنطن القرار الإسرائيلي الإستراتيجي وتقيده في إنتظار إكتمال كافة الشروط لمسرح عمليات الحرب المقبلة على المستويات كافة.

* باحث في العلاقات الدولية