من أنا

صورتي
باحث وكاتب لبناني في العلاقات الدولية والدراسات السياسية.حائز على إجازتي حقوق وعلوم سياسية من الجامعة اللبنانية ودبلومي قانون عام وعلاقات دولية, وماستر علاقات دولية ودراسات أوروبية.حاصل على منحة تفوق من الجامعة اللبنانية لنيل شهادة الدكتوراه. حالياً يتابع دراسة الدكتوراه في العلاقات الدولية في جامعة براغ الدولية.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حركات المقاومة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حركات المقاومة. إظهار كافة الرسائل

نهاية نظام اليهمنة الأميركية في الشرق الأوسط


مقال نشر في موقع العهد الإخباري, بتاريخ 14\5\2103

حسام مطر
لم يقل وزير الحرب الأميركي تشاك هيغل جديداً عندما صرح منذ أيام أمام "معهد واشنطن" بأن "النظام القديم في الشرق الاوسط يزول وما سيحل محله ما زال مجهولا"، بل الأصح أنه زال وانتهى الى غير رجعة، ولكن البديل نعم ما زال مجهولاً الى حد ما. منذ نهاية الحرب الباردة تمكنت واشنطن من أن تكون قوة هيمنة أحادية في الشرق الأوسط ولم يبدأ ذلك بالتغير الا مع نهاية التسعينيات. لقد نجحت الولايات المتحدة في تحييد مصر والعراق من بنية القوة في المنطقة فيما رسخت تحالفها مع تركيا و"اسرائيل"، الا أن العقبة العصية أمام استمرار هذه الهيمنة كانت الدور الايراني الذي رعى وأدار حلفاً متعدد الطبقات والمهام ومتداخلاً بشكل استراتيجي امتد من سوريا الى لبنان وفلسطين المحتلة مع عمق شعبي يطال مجمل المنطقة العربية.

توافق هيلاري ليفيرت (من معهد جاكسون ) على هذه الخلاصة،حيث رأت بأن سنوات ما بعد 1990 أتاحت للولايات المتحدة بناء "هيمنة في الشرق الأوسط، أي نظام اقليمي امني، سياسي، وشديد العسكرة تقوده الولايات المتحدة، واليوم هذا النظام يختفي أمام أعيننا.... في ظل تغير دراماتيكي في ميزان القوى الاقليمي بعيداً عن الولايات المتحدة لمصلحة ايران وحلفائها".

أدرك الأميركيون بداية هذا التحول في ميزان القوى منذ العام 2000، مع الانسحابات الاسرائيلية من لبنان وغزة ولاحقاً هزيمتي العراق وأفغانستان، ولكن ادارة بوش اعتقدت أنها قادرة على عكس عقارب الساعة من خلال توجيه ضربة استباقية الى المحور الصاعد أي محور المقاومة. في العلاقات الدولية توجد نظرية بخصوص صعود وهبوط قوى الهيمنة وهي تفسر الحرب بين القوى الكبرى كنتيجة لتوازن القوى حينها تبادر القوة المهيمنة الى توجيه "ضربة استباقية" الى القوة "الصاعدة" التي تهدد موقع القوة المهيمنة على رأس النظام الدولي أو الاقليمي، مثلاً يوجد اليوم بعض المتطرفين الأميركيين (أمثال جون بولتون) ممن يدعون لضربة أميركية استباقية للصين الصاعدة. وعليه كانت حرب 2006 هي ضربة "استباقية" أميركية لمحور المقاومة في محاولة أخيرة لاعادة تمكين الهيمنة الأميركية على الشرق الأوسط ووقف صعود محور المقاومة.

كان فشل عدوان تموز بمثابة اعلان عن بداية سقوط النظام الاقليمي القديم في الشرق الأوسط وبدء النظام الاقليمي الجديد الذي ستتراجع فيه هيمنة الولايات المتحدة في الاقليم. هذا الفراغ الأميركي كان ضرورياً لاسقاط النظام العربي الرسمي التابع لها، وكذلك اتاح لروسيا والصين اعادة تعريف مصالحهما القومية في المنطقة بشكل أكثر عمقاً وجرأة. نظرياً، يؤدي سقوط قوة الهيمنة الأحادية الى فترة من الفوضى والاضطراب نتيجة اختلال النظام الذي كانت ترعاه تلك القوة بالاضافة الى التنافس لاشغال الفراغ، وهذا بالضبط ما يحصل في الشرق الأوسط حالياً. وهو ما استجابت له واشنطن بمرونة من خلال الدفع بتركيا وقطر الى المشهد الاقليمي لملء الفراغ والعمل كواجهة للمشروع الأميركي. هدف واشنطن من ذلك هو بناء توازن قوى اقليمي من دون أن تكون بحاجة للتورط مباشرة في المنطقة، وهذا التوازن لا يمكن أن يكتمل الا من خلال اسقاط سوريا في يد المحور الأميركي، وهذا ما يفسر جزئياً حدة المواجهة الاقليمية ـ الدولية في سوريا.

تشاك هيغل : النظام القديم في الشرق الاوسط سيزول
تشاك هيغل : النظام القديم في الشرق الاوسط سيزول 

تمكنت ايران وحلفاؤها من تحقيق انجاز تاريخي في زعزعة نظام الهيمنة الأميركية ـ الاسرائيلية في الشرق الأوسط، ولكن الخصم عنيد، ومرن وموارده هائلة، ويحاول ترميم ما خسره، لذا التحدي الجديد لهذه القوى وشعوب المنطقة يكمن في ايجاد بنية اقليمية يبقى فيها الأميركي والاسرائيلي عاجزَين عن فرض أجندتهما السياسية مع فتح أفق لخلق وتمتين التعاون الاقليمي على مستوى المنطقة. لكن هذه العملية بحاجة لمسار طويل، لا بد من الاستمرار في استنزاف واضعاف الولايات المتحدة لأن هذا سيدفع حلفاء واشنطن في المنطقة نحو امكانية البدء بتعزيز التعاون الاقليمي من خلال اطر مؤسساتية متدرجة لتعزيز التواصل الاقليمي وبناء تفاهمات سياسية وأدوات تنسيق وتشاور وآليات لحل الخلافات وصولاً الى شراكات استراتيجية ومنها الى تكامل اقتصادي، سياسي، وأمني.

وفي ظل هذه الفوضى ترتسم صورة الشرق الأوسط على شكل خرائط العصور الوسطى (حسب تعبير روبرت كابلان) حيث لم تعد الحدود السياسية قائمة الا بقدر الضرورة، فيصبح النفوذ السياسي عابراً للحدود الوطنية بشكل ضبابي، متداخلا ومعقدا، ولا سيما أن الغالبية العظمى من دول المنطقة هي دول ضعيفة وفاشلة والحكومات المركزية مشلولة بالكامل. في هذه المرحلة ترتسم صورة النظام الاقليمي الجديد بتوازنات وقواعد جديدة، ستتزايد أهمية القوى الاقليمية بالتحديد ايران وتركيا، سيصبح دور القوى الدولية في الشرق الأوسط أكثر بروزاً، دور أكثر حضوراً للجماهير والقوى غير الدولية، وصعود للهويات والحساسيات التاريخية. لا يبدو أي من المحورين معنيا بحرب اقليمية كبرى. المحوران يتصارعان ولكن بعض قواعد اللعبة المتفق عليها ضمنياً تؤدي دور صمامات الأمان.

هي لحظة تأسيسية في تاريخ المنطقة، كل خطأ يمكن أن يتحول الى خطأ قاتل، وعلى صانعي القرار محاولة التركيز على فكرة "المصالح المشتركة" لأبناء المنطقة بدل الغوص في الحساسيات الثقافية. كل موقف اليوم يجب أن يستند على حسابات بعيدة الأمد من دون الوقوع ضحية الخوف من اللحظة الراهنة. محور المقاومة أنجز ما لم يكن بالحسبان، لكن الأمور بخواتيمها، هي فرصة تاريخية تستحق كل التضحيات وتحتاج لكثير من الوعي والرؤية. فرصة تكوين شرق أوسط خارج الهيمنة الأميركية وقابل للتطور لما فيه خير شعوبه في الحرية والكرامة والعدالة.

باحث ومحلل سياسي

تعليق سياسي 8 : الولايات المتحدة وخدعة ثيران هنيبعل



(التعليق خاص بالمدونة يرجى ذكر ذلك عند إعادة النشر) 
يروى أن القائد التاريخي هنيبعل وأثناء زحفه نحو روما تمت محاصرته في أحد الأودية وأحاط به الرومان من كل صوب, وللحظات إعتقد من معه أنها النهاية, ولكنه كان محنكاً وصاحب باع في الحرب وفنونها. في إحدى ليالي الحصار طلب من الجند تجميع ما في المعسكر من ثيران وربط على قرونها مشاعل وأضاءها وقام بعض الجند بسوقها الى إحد التلال فظن الرومان أن المشاعل "المتحركة" هي جيش هنيبعل فإتجهت كل القوة االرومانية الى النقطة التي دُفعت إليها الثيران وعند وصولهم فجراً الى النقطة إكتشفوا الخدعة وشاهدوا آخر جنود هنيبعل يغادر الوادي من ثغرة أخرى. 

بعد ما جرى في العراق ولبنان وفلسطين ما بين 2001- 2009  كان موقف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط شبيه الى حد كبير بحال هنيبعل, كانت في واد محاصرة بإنجازات تاريخية لمحور المقاومة, ولم تكن بدائلها السياسية المتاحة حينها واسعة بل محدودة الى حد بعيد. للمفارقة إستخدمت واشنطن خدعة شبيهة بخدعة هنيبعل, إذ سارعت واشنطن الى إستدعاء تركيا الى دور جديد في الشرق الأوسط, وطلبت من السعودين والقطريين الإنخراط المباشر والفاعل في قضايا المنطقة . ومن خلال هذه القوى الثلاث سعت واشنطن للتحكم بالرأي العام العربي ولا سيما التيار الإسلامي الذي كان في لحظة صعود بفعل إهتزاز الأنظمة الحليفة لواشنطن في اكثر من ساحة لا سيما في مصر. ففي الوقت الذي كان يظن محور المقاومة أن تركيا إنقلبت بإتجاه مصالحه وأن صعود الإخوان المسلمين سيكون أيضا في صالحه, تبين عند إنشقاق " الفجر" أن هذه القوى لم تكن إلا "ثيران" واشنطن في الليلة الحالكة .
 
ولكن ماذا كانت المشاعل؟ حاولت تركيا أن تحدثنا عن فلسطين, عن المقاومة, عن سفينة مرمرة, عن "غضبة" دافوس, عن جهودها في الملف النووي الإيراني, وعن تقربها من النظام السوري. أما الإسلاميون فكانت وعودهم على شاكلة "على القدس رايحين شهداء بالملايين", عن توقهم للحريات والتعددية والتمرد على الهيمنة الأميركية والإستقلال السياسي والتحالف مع إيران والمقاومة. المرحلة الحالية في الشرق الاوسط هي "للواجهات الوطنية" اي النخبة الفاسدة بالمرتبطة بقوى الهيمنة الغربية.

 كشأن كل الاقاليم النامية في العالم أو الأطراف, يتحكم المركز "الرأسمالي المعولم" بمنطقتنا من خلال دمج إقتصادياتها بشكل مشوه في الاقتصاد الدولي ومن خلال نخب فاسدة تابعة وعميلة . لكن هذه النخب تتمتع بمصادر شرعية وقوة مختلفة من الدين والمال والتحالفات والإعلام, وتقوم على خدمة الهيمنة الأميركية, فما الحل؟ عنف ثوري؟ ولكن إشكاليته ان سيأخذ طابع نزاع وحروب اهلية او مذهبية. ام مواجهة القوة الاميركية - الإسرائيلية مباشرة؟ هذا حصل في لبنان والعراق وفلسطين , وحقق نجاحات باهرة, ولكن اليوم أعادت واشنطن الدور "للواجهات الوطنية" ولحلفائها الإقليميين؟ فما الحل؟ البعض سيجيب بأن الحل في "ثورات شعبية جذرية الهدف", أو في "نقل معركة الإنقسامات الثقافية والإجتماعية الى الغرب لتفتيت وحدته", او في "بناء دولة عربية مستقلة متكاملة مع محيطها" , او في مواجهة الأدوات لا سيما آل سعود, كل الإجابات فيها قدر من المنطق ولكنها ليست حلاً كافياً في المدى المنظور. هل نحن بحاجة أيضاً الى "ثيران" من نوع ما؟ سؤال للتفكير اكثر في المعضلة القائمة. 

حسام مطر 

إفتتاحية كتيب مؤتمر " المقاومة في ظل التحولات العربية"


في نيسان الماضي تشرفت بإدارة مؤتمر في الجامعة اللبنانية- صيدا برعاية التعبئة التربوية في حزب الله, وقد إخترنا له عنوان " مشروع المقاومة في ظل التحولات العربية" وقد شارك فيه نخبة من الباحثين والأكاديميين والسياسيين:
السيد عمار الموسوي (مسؤول العلاقات الدولية في حزب الله), العميد المتقاعد الدكتور محمد عباس, الأستاذ حلمي موسى, السيد عبد الحليم فضل الله ( رئيس المركز الإستشاري للدراسات والتوثيق), الاستاذ نصري الصايغ, الدكتور حبيب فياض, الشيخ الدكتور صادق النابلسي, الدكتور محسن صالح , الدكتور جمال واكيم, والختام كان مع سعادة سفير الجمهورية الاسلامية الدكتور غضنفر ركن ابادي. وقد أدار الندوات اساتذة من كليات الجامعة اللبنانية. 

ومؤخراً صدر كتيب يشمل أعمال المؤتمر من المداخلات والأوراق المقدمة, والكتيب متوفر لدى مكتبة النبيل قرب كلية الآداب والعلوم الإنسانية- صيدا. وفي إفتتاحية الكتيب كتبت المقدمة التالية:


" أنتجت التحولات العربية التي أعقبت إسقاط النظام في تونس ثم في مصر, جملة تحديات وتساؤلات عميقة على مجمل ما هو متعلق بالمنطقة, من السياسة الى الفكر والدين الى الثقافة والإجتماع وموازين القوة السياسية والعسكرية. كانت هذه الأحداث إختباراً لتواضع الباحثين الذين أقر كثيرون منهم بأنهم تعرضوا للمباغتة والصدمة والحيرة في بداية تلك الأحداث. لم تنطلق هذه الأحداث من عوامل إقليمية وداخلية خاصة فقط, بل كانت السياسات الدولية حاضرة بقوة , وإزداد حضورها مع تقدم الأحداث حيث انتقلت القوى الدولية بدورها من واقع الصدمة الى محاولة التأثير في صياغة النظم الجديدة بما يناسب رؤيتها ومصالحها في المنطقة. ليس خافياً الصراع الدائر في الشرق الأوسط بين قوة الهيمنة الدولية أي الولايات المتحدة والقوى الملحقة بها من جهة, ومحور المقاومة الممتد في المنطقة من دول ومنظمات تملك مشروعاً تحررياً سيادياً والذي تقوده الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالدرجة الأولى الى جانب سوريا وحركات المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق, وقوى وطنية وقومية في مصر واليمن والمغرب العربي والخليج.

لم تكن إنطلاقة الإنتفاضات العربية معزولة عن المواجهة الطاحنة في المنطقة لاسيما منذ العام 2000, بل لعل هذه الإنتفاضات هي من عوارض هذه المواجهة. ولذا كان من البديهي في ظل سعي المحورين الى التأثير وجذب التحولات الى مدار مصالحهما, أن ننطلق للبحث في التحديات والفرص التي يمكن أن تولدها هذه الإنتفاضات العربية لجهة مشروع المقاومة في المنطقة. وبما أن مشروع المقاومة هو خيار ومسؤولية شعبية ووطنية يجب الإنخراط فيه كل من موقعه, كان من الضروري التوجه نحو الجامعة اللبنانية وأساتذتها وطلابها للبحث والتفكير الموضوعي في شأن هذه التحديات والفرص.

إن مشروعاً بحجم وأهمية مشروع المقاومة لا يمكن أن يستند الى ردود فعل عشوائية أو قراءات سطحية, بل بحاجة دائمة أن يلجأ صناع القرار في مشروع المقاومة الى أهل الدراية والإختصاص في كل حقل, وان يتبادل أصحاب المشروع والتجربة مع أصحاب الخبرة والمعرفة النقاش في الإشكاليات والتساؤلات والتحديات التي تواجه هذا المشروع في محاولة لإستكشاف المسارات وتوقع الأحداث وتقديم بدائل سياسية. إن غياب هذا التكامل والتعاون بين المؤسسات الأكاديمية والبحثية مع أصحاب القرار هو أبرز العقبات والثغرات في صناعة القرار السياسي على المستوى العربي. لم تكن ذهنية المقاومة يوماً ذهنية إقصائية إستعلائية  بل سعت دوماً للتفاعل مع مجتمعها من القواعد الشعبية الى نخبه المتخصصة, مع الآخذ بين الإعتبار حاجتها للخصوصية الأمنية في كثير من المجالات, وما هذا الجهد إلا حلقة في سياق واضح ومستمر وإن كان يحتاج  دائماً لمزيد من التفعيل والتأطير.

بناء لذلك كله, حملنا هذا المشروع وإنطلقنا به تحت عنوان " مشروع المقاومة في ظل التحولات العربية", متعاونين مع نخبة من الأكاديمين والخبراء, وبمشاركة طلابية نشطة من التنظيم الى الإدارة والمشاركة في الندوات, وهو مقصد مطلوب في ذاته أيضاً. وبهدف توثيق أعمال الندوات والاوراق المقدمة بما يسمح بإستفادة أشمل منها, كان لا بد من نشر هذا الكتيب, راجين أن يكون ذا منفعة وفائدة وتبصر , وتوطئة لأنشطة أفضل, سائلين المولى القبول والتوفيق".

                                                                                                        حسام مطر - إدارة المؤتمر

تقرير عن ورقة : "الإستراتيجية الأميركية الذكية لمواجهة حزب الله"

نشر المركز الإستشاري للدراسات والتوثيق- بيروت، ورقة بحثية تحت عنوان "الإستراتيجية الأميركية الذكية لمواجهة حزب الله" (12 صفحة) للمحلل والباحث في العلاقات الدولية حسام مطر.


يحاجج الأستاذ مطر بإن نهاية عدوان إسرائيل عام 2006 على لبنان وإخفاقه في تحقيق أهدافه السياسية بوجه حزب الله، أدى الى زيادة التورط الأميركي في المواجهة مع الحزب ولكن بالإستناد الى إستراتيجية جديدة قوامها القوة الناعمة. تبرز الورقة كيف تحول الجهد الأميركي نحو المجالات التي تقع خارج النطاق العسكري عبر محاولة ضرب الوعاء المجتمعي الذي ينطلق منه حزب الله وذلك من خلال إستخدام أدوات إعلامية، سياسية وثقافية بهدف تشكيل صورة جديدة لحزب الله في الوعي اللبناني والإقليمي تجعل منه معرضاً لإمكانية هزيمة عسكرية في مرحلة لاحقة. تهدف هذه السياسة الأميركية – بحسب مطر - الى تحقيق اربعة غايات أساسية: تقليص شرعية المقاومة، تعميق الانقسام الوطني حول دورها، عزلها على المستوى الخارجي، وتقييد خياراتها السياسية وقدرتها على المبادرة.

يهدف الباحث الى إستكشاف التغير الذي طرأ على السياسة الأميركية تجاه حزب الله منذ حرب 2006، وهو تغير جوهري، عميق وشامل. تبرز أهمية فحص هذا التغير على مستويين، أولأ على المستوى النظري هي تتيح تقويم فعالية القوة الناعمة ضمن ظروف محددة وهو جدال جوهري يدور مؤخراً بين مؤيدي )الليبراليون أمثال جوزيف ناي، فريد زكريا) ورافضي (المحافظون الجدد بالتحديد) فكرة اللجوء للقوة الناعمة كخيار أساسي. وثانياً أهميتها العملية في أنها تتيح فهم أفضل لسلسلة من الأحداث والسلوكيات السياسية على المستويين اللبناني والإقليمي بإعتبارها جزء من سياسة محددة وليست نتاج الإرتجال والصدفة، وذلك بدوره يتيح إمكانية أفضل للتوقع بمسارات المواجهة في المدى المنظور بالحد الأدنى في لحظة إقليمية يهيمن عليها الإرباك عدم اليقين. تستند الورقة بشكل أساسي على رؤية جوزيف ناي للقوة الناعمة التي كان له سبق التنظير لها منذ بداية التسيعنيات بالإضافة الى "دليل الحكومة الأميركية لمكافحة حركات التمرد" الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية عام 2009.
تنقسم الورقة الى العناوين الفرعية التالية :

• القوة الناعمة: المغنطيس بدل المطرقة
• حزب الله: "هيدرا" لا يمكن قتلها
• خيار القوة الناعمة: إستهداف الحاضنة البشرية
• تقليص النفوذ الوطني لحزب الله
• شيطنة حزب الله: الوصمة الإجرامية
• تهميش رسالة حزب الله:


في الخلاصة، بدل "اصطياد" حزب الله تسعى واشنطن الى تلويث المحيط الذي يسبح فيه، أي جعل الحزب "جسماً غريباً" داخل البيئة الوطنية والإقليمية بحيث تنبذه تلك البيئة التي يتحرك فيها ومنها، وحينها فقط تصبح فرضية القضاء عليه عسكرياً متاحة. في المحصلة الأولية يبدو أن السياسة الأميركية حققت جملة نجاحات مستفيدة بشكل أساسي من إهتراء النسيج الوطني اللبناني والإحتقان الإقليمي المذهبي وهو ما ساهمت الأزمة السورية في تعميقه بفعل تصويرها كصراع مذهبي بعيداً عن الحسابات السياسية والإستراتيجية. يبدو الحزب مدركاً لهذه الخسارة ولكن وإن كانت لن تدفعه الى تغيير موقفه من الأزمة السورية إلا أنه يسعى للحد منها من خلال محاولة تكريس جهد كبير لتقديم وتفسير وعرض موقفه من الأزمة للجمهور بكل تفاصيلها وخلفياتها لا سيما عبر الإطلالات الأخيرة لأمينه العام المتكفل بشكل خاص بهذه المهمة الشاقة.

يخلص الباحث حسام مطر أيضاً الى أن واقع الشرق الأوسط كمنطقة مكتظة بالدول الضعيفة او الفاشلة في ظل أزمة هوية عميقة بفعل غلبة الإنتماءات العصبية والجهوية الأولية التي لا تعترف بحدود الجغرافيا السياسية، أي واقع يتصف بهيمنة نخب ذات تبعية لمراكز القوى الدولية لا سيما قوى الرأسمالية المعولمة، ضعف للهويات السياسية، طغيان الإنفعالات التاريخية والعقيدية، وتناقض بين الإنتماء للدولة والجماعة الخاصة، كل ذلك يعزز فعالية القوة الناعمة الأميركية المنطقة بوجه القوى المماثلة لحزب الله كحركة مقاومة.
يختم مطر ورقته بالقول أن التقويم النهائي لهذه السياسة الأميركية لا زال يحتاج مزيداً من الوقت لأنها بالأصل تهدف الى إعادة تشكيل هويات وقيم مختلفة وهي عملية تحتاج لسنوات طويلة، كما أن المنطقة تمر بلحظة فوضى تشتعل فيها العصبيات ولذا لا بد من مراقبة ما سيرسخ منها بعد إنتهاء هذا المد الطائفي المقيت. يضاف الى ذلك أن تجربة حزب الله وإنجازاته التاريخية بوجه الكيان الصهوني لا زالت حية ولها موضعها في النفوس وإن خفتت مؤخراً. والأهم أن الحزب ومن خلال تصريحات قيادته وسلوكه الإعلامي بدأ يدرك بشكل متزايد أهداف وأدوات وطبيعة السياسة الأميركية الجديدة . وعليه بدأ حزب الله في الآونة الأخيرة بمحاولة الإستجابة لهذه السياسة بجملة رسائل وخطوات إعلامية وسياسية وثقافية ، ولكن تقويم هذه الخطوات ومدى فاعليتها يحتاج الى بحث وتوسع في مرحلة لاحقة.

يمكن تحميل الورقة كاملة من خلال الرابط التالي على موقع المركز الإستشاري للدراسات والتوثيق:
 http://www.dirasat.net/uploads/item_mak_m/4410741.pdf

الخيارات الإسرائيلية في ظل المتغيرات الجيو ـ إستراتيجية

مقال نُشر في الإنتقاد, بتاريخ 9 تشرين ثاني 2012

حسام مطر *


يبدو المشهد الإقليمي في أشد لحظاته تعقيداً وضبابية لا سيما في ظل الإنتفاضات والتحولات التي تعصف بالمنطقة العربية منذ ما يقارب السنة والنصف. لم تأت هذه من فراغ بل سبقها تحول عميق في البيئة الإقليمية وانقلاب جوهري في ميزان القوى الإقليمية بفعل الهزائم المدوية للمشروع الأميركي ـ الصهيوني في المنطقة لا سيما في العراق ولبنان وغزة. إن تراجع النفوذ الأميركي خلال السنوات الأخيرة أنتج فراغا في القوة إنعكس إنكشافاً لدى الأنظمة العربية التابعة له وهو ما أسس لإمكانية إزالة النظام العربي “القديم” الموالي لواشنطن كما حصل بالتحديد في تونس ومصر. في مواجهة هذا التحدي تبنت واشنطن سلسلة خطوات من أبرزها:

الخيارات الإسرائيلية في ظل المتغيرات الجيو ـ إستراتيجيةـ إتاحة المجال لدور تركي جديد في المنطقة قادر على موازنة الدور الإيراني من خلال قيادة تركيا لحلف سني نظراً لما تمتلكه من قدرات وإمكانات وموقع وارتباطها الإستراتيجي بحلف الناتو.
ـ دفع الدول الخليجية الى تحمل مسؤوليات إضافية ومباشرة في المواجهة الإقليمية وذلك من خلال مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية، إذ إن واشنطن لم تعد قادرة على تحمل اكلاف لعب الدور المباشر والكامل.
ـ رفع مستوى التنسيق الأمني والعسكري مع الكيان الصهيوني لمواجهة التحديات الأمنية المتزايدة من جبهات عدة، وهو ما تمت ترجمته بزيادة الدعم العسكري وبرنامج القبة الحديدية وتأكيد الإلتزام الأمني الكامل من قبل إدارة أوباما تجاه “إسرائيل”.
ـ إنتقال الولايات المتحدة الى “القيادة من الخلف” والإكتفاء بتقديم دعم دبلوماسي ولوجيستي لحلفائها في المنطقة، مع التركيز على القوة الناعمة بدل تلك الصلبة.
ـ لم تتمسك واشنطن بحلفائها الذين سقطوا بل سارعت الى محاولة التفاهم مع التيار الإسلامي الصاعد لصياغة تفاهم متبادل على مستوى القضايا الكبرى، ولكن رغم بعض التفاهمات الجزئية إلا ان عدم الثقة ما زال يحكم علاقة الطرفين.

لم يكن هذا التراجع في النفوذ الأميركي ممكناً لولا الهزيمة المدوية في تموز 2006 والتي كانت المحاولة الأميركية الأبرز للخروج من المأزق العراقي ومحاولة قلب الطاولة على سوريا وإيران اللتين أطبقتا على المشروع الأميركي في العراق في تلك المرحلة، وقد كان للانتصار في حرب تموز جملة مفاعيل بالغة الأهمية:
ـ كرست الحرب محدودية القوة الإسرائيلية في فرض وقائع سياسية تعكس مصالحها في المنطقة.
ـ لم يعد بإمكان “إسرائيل” شن أي حرب مستقبلية بعيداً عن الإرادة الأميركية، نظراً لاحتمالية تمدد أي معركة مقبلة الى المستوى الإقليمي وهو ما يستلزم دوراً أميركياً مباشراً.
ـ تحول “إسرائيل” الى عبء إستراتيجي على الغرب سواء مادياً أو معنوياً، وهو ما يثير إنقاسامات داخلية متزايدة في الغرب لا سيما الولايات المتحدة عن جدوى الدعم اللامشروط للكيان الصيهوني.
ـ إنتقال “إسرائيل” الى مستوى الردع الدفاعي، والإهتمام بتحصين الجبهة الداخلية وردع خصومها من الهجوم، بعدما فقدت القدرة على المبادرة الهجومية والحسم السريع.
ـ رفعت الحرب من وزن حزب الله الإستراتيجي في المعادلة الإقليمية.

كل هذه التحولات العميقة في توازنات المنطقة والتي ساهمت في تضرر صورة الولايات المتحدة وشرعيتها وإستنزافها إقتصاديا، فاقمت من الازمة الإقتصادية التي تعصف بالغرب منذ ثلاث سنوات. في مقابل هذا التراجع الأميركي ومحاولته الدفع بدور تركي ـ خليجي الى الواجهة برزت بقوة المصالح الروسية ـ الصينية على المستوى الدولي وخاصة في الشرق الأوسط نتيجة أهميته الجيو ـ إستراتيجية. تجد الصين أن الولايات المتحدة تظهر عدائية متزايدة تجاه صعودها وتدفع بمزيد من القوات والموارد باتجاه منطقة الباسيفيك، ولذا بدأت الصين تدرك بشكل متزايد حاجتها الى سياسة خارجية أكثر وضوحاً ودور أكثر فاعلية في الشرق الأوسط لموازاة الضغط الأميركي، إلا ان هذا التوجه ما زال في بداياته.
التغير الحقيقي هو في الموقف الروسي، حيث يجد الروس فرصة لاستعادة بعض النفوذ الدولي وممارسة دور متزايد في ظل محدودية القوة الأميركية. إلا أن الروس يتزايد إهتمامهم بالشرق الأوسط خوفا من خسارة ركيزتيهما المتبقيتين إيران وسوريا لحساب دور تركي أكبر يطمح للتمدد أيضا باتجاه آسيا الوسطى التي تصنف ضمن المجال الحيوي الروسي حيث تنشط الحركات الإسلامية الإنفصالية.

في ظل كل هذه التطورات أصبح قرار الحرب في المنطقة قراراً شديد التعقيد والخطورة والصعوبة باعتبار أن أي حرب ستكون مرشحة لتتوسع إقليمياً، وبالتالي لا بد لقرار الحرب أن تشترك فيه مجموعة دول إقليمية ودولية. في اللحظة الراهنة يبدو الخيار الإسرائيلي هو انتظار مآلات الأزمة السورية لأنها الأقل تكلفة كون “إسرائيل” ليست متورطة بها بشكل مباشر، ويمكن في حال سقوط النظام أن تتغير حسابات المعركة بالنسبة لها بالكامل، وهذا التقدير تشترك فيه مع الأميركي أيضاً. الإسرائيلي منشغل في دراسة التغييرات التي تطرأ على البيئة الأمنية الجديدة ودراستها وإعادة تشكيل سياسة دفاعية جديدة تتناسب معها ولكنه ما زال يعتبر التهديد الإيراني هو الأكثر حضوراً. وفي شأن الخيارات الإسرائيلية يمكن إيراد النقاط التالية:

ـ ان القرار الإسرائيلي بالحرب أصبح خاضعاً بنسبة كبيرة للموقف الأميركي في المنطقة ولا يمكن لـ”إسرائيل” الإنخراط في معركة بمعزل عن موافقة الولايات المتحدة، لذا لا يمكن تقدير الخيارات الإسرائيلية بمعزل عن سياسة واشنطن في الشرق الاوسط وأولياتها.
ـ تعتبر كل من “اسرائيل” والولايات المتحدة أن أي حرب إسرائيلية حالية على لبنان من شأنها تقويض الجهود الاميركية في سوريا وتعيد تعزيز شرعية المقاومة. كما أن هجوما كهذا قد يشكل ذريعة تتيح لمحور المقاومة توسعة الصراع بهدف تخفيف الضغط عن النظام السوري.
ـ هناك قلق إسرائيلي بعد زوال النظام المصري ووهن النظام الأردني لاحتمال أن دخول قوى عربية الى اي مواجهة مقبلة أصبح جدياً، إذ ان مبارك شكل ضامناً لمنع القوى المصرية من التدخل في الحروب السابقة ولكن الآن يمكن بسهولة لقوى عربية ان تتدخل في أي صراع بين حزب الله و”إسرائيل” أو حماس و”إسرائيل”.
ـ لكن يثار تساؤل حول إمكانية قيام “إسرائيل” بتوجيه ضربة محدودة لعمليات نقل سلاح كيميائي من سوريا الى لبنان، عند هذا المستوى من المحتمل جداً ان تبادر “إسرائيل” الى هذه الخطوة ولو بدون الموافقة الأميركية.
ـ من الإحتمالات الجدية هو توسع الصراع في سوريا الى صراع إقليمي وهذا ما يثير قلقاً من ناحية بالنسبة لـ”إسرائيل” كونها ستكون الهدف الأفضل لمحور المقاومة، ولكن في ذات الوقت هي تستعجل سقوط الأسد وترى أن التدخل الدولي في سوريا سيجعل “إسرائيل” تبدو في المحور الذي يضم قوى عربية وإسلامية بوجه إيران وحزب الله، وهو ما يخدم الدبلوماسية العامة الإسرائيلية مع الرأي العام العربي.
ـ الخيارات الإسرائيلية الحالية مرتبطة بما ستؤول إليه الأزمة السورية من ناحية، وبالملف النووي الإيراني من ناحية أخرى. تتحضر “إسرائيل” للسيناريو الأسوأ وتواصل إستعداداتها الميدانية، في حال فشل الغرب في إيقاف البرنامج النووي الإيراني ولم يتمكن من الإطاحة بالنظام السوري.
ـ يفترض البعض أن “إسرائيل” والولايات المتحدة ربما تستغل إنشغال النظام السوري وتضرر شرعية حزب الله على المستوى الإقليمي والإنقسام الداخلي حول السلاح والضغوط المتزايدة على إيران، للقيام بضربة عسكرية في ظل هذه الظروف المثالية، ولكن بالنظر لما اوردناه سالفاً يبدو هذا الإفتراض ضعيفاً.
ـ الخيار الإسرائيلي ـ الأميركي لهذه المرحلة هو الإستمرار في إستنزاف المقاومة لا سيما معنوياً وعزلها عن الرأي العام العربي وتعميق الإنقسام الداخلي حولها، وتكريس صورة جديدة للمقاومة كميليشيا مذهبية إجرامية تابعة لإيران، وذلك الى حين اكتمال شروط تنفيذ ضربة عسكرية.

في الخلاصة، ورغم الضجيج الذي يثار في أكثر من جبهة، تبقى التطورات السورية هي الفيصل في المرحلة المقبلة مع إمكانية متزايدة لتوسع الصراع الى المستوى الإقليمي. تبدو الولايات المتحدة حريصة على عدم توسع الصراع في هذه المرحلة لعدم إعطاء ذريعة لتدخل أكثر وضوحا للمقاومة وإيران وروسيا ولعدم تشتيت الإنتباه عن الساحة السورية لا سيما مع إعتقاد الإدارة الأميركية أن العقوبات والضغوط على إيران بدأت تؤتي أكلها. ولذا تضبط واشنطن القرار الإسرائيلي الإستراتيجي وتقيده في إنتظار إكتمال كافة الشروط لمسرح عمليات الحرب المقبلة على المستويات كافة.

* باحث في العلاقات الدولية

رداً على مأزق «حزب الله» الأخلاقي والديني: الأزمة السورية ومعضلة القيم والمصالح


 نشرت هذه المقالة في صحيفة السفير العدد 12257 بتاريخ 4 أيلول 2012

حسام مطر

السفيرالمدخل الرئيسي للانتقادات الموجهة لموقف «حزب الله» من الازمة السورية يمكن اختصاره بتقديم الحزب لحساباته الإستراتيجية على اعتباراته العقائدية والأخلاقية (كما فعلت مؤخراً الدكتورة هلا امون بمقالها في «السفير» مأزق حزب الله الأخلاقي والديني). وما يزيد من وطأة هذا النقد أنه يصيب المكون المركزي في بنية الحزب, أي المكون القيمي في حزب عقائدي إسلامي امتازت تجربته التاريخية بالصدقية الأخلاقية والمناقبية والثبات الإيماني المرتبط بقضايا المظلومين والمستضعفين.
منهجية حزب الله إزاء معضلة القيم والمصالح

لا شك أن أبرز التحديات التي يمكن ان تواجه لاعباً سياسياً ما هي وقوعه في تناقض بين مصالحه وقيمه. ولا شك أيضاً، أنه لا بد أن يواجه كل لاعب سياسي في لحظة ما تناقضاَ بين قيمه ومصالحه, فذلك من طبيعة السياسة التي تحكمها الصراعات والتوازنات ومحدودية الموارد. في مواجهة هذه المعضلة التي تعرض لها «حزب الله» مراراً في المقاومة والسياسة الداخلية وعلاقاته الخارجية, لا يمكن للحزب ـ كما سواه - أن يتجاهل الوقائع المادية وتوازنات القوى بشكل كامل, وإلا لكان حزباً مجنوناً. لذا ما يقوم به الحزب هو صياغة أهدافه العقائدية ضمن سلم اولوليات، بهدف توجيه موارده المادية المحدودة, عند الضرورة, نحو الاولوية الأهم على حساب اولويات عقائدية اخرى. في هذا الإطار, يشخص الحزب، ومنذ نشأته، موضوع المقاومة كأولوية مطلقة لا يتقدم عليها شيء، وهذا ما أتاح للحزب انتصارات مذهلة، أنتجت تحريراً ومنعة للبنان وتراجعاً عميقاً للمشروع الاميركي - الصهوني في الشرق الأوسط, وهو تراجع أتاح للشعوب العربية إمكانية الانتفاض على حكامها التابعين لواشنطن.

إذاً حزب الله حزب عقائدي إيماني ولكن بحسابات إستراتيجية, فالحزب اضطر مراراً لتأخير أهداف قيمية وإيمانية معينة في سبيل حفظ المقاومة، أي أولوية الأولويات, فالحزب لم يتدخل بشكل مباشر في كثير من القضايا المحقة لرفع الظلم عن المسلمين، ومنهم الشيعة اتقاءً لفتنة أو استنزاف يصيب المقاومة ويضعفها. والحزب أيضاً حالف، سياسياً، الفاسدين وأتباع واشنطن رغم الإشكال الأخلاقي في ذلك ليبعد المقاومة عن البازار اللبناني الموبوء, ما استطاع الى ذلك سبيلاً. هذا التقديم لأولوية المقاومة ليس عبثياً وليس محض عقائدي كما يعتقد كثيرون, بل قائم على قراءة سياسية وتاريخية ترى في سياسات الدول الكبرى تجاه المنطقة العقبة الاساسية أمام كرامة وحرية ورخاء الشعوب, فظاهرة الاستبداد ليست إلا تجلياً لهذه للسياسات الإمبريالية. إذاّ حسب رؤية الحزب فإن الاستبداد والظلم غير قابلين للمعالجة بشكل مستدام ما لم تنكفئ الهيمنة الأميركية والسطوة الإسرائيلية.

رؤيته لطبيعة الأزمة السورية

من اللحظة الأولى لاندلاع الأزمة السورية سارع الحزب الى تشجيع القيادة السورية على إجراء إصلاحات جوهرية، سواء عبر Syria Crisisتصريحات الأمين العام او من خلال الرسائل الخاصة بين الطرفين. ولكن هل كل ما يجري اليوم في سوريا هو خلاف وطني بين النظام والمعارضة؟ لقد بلغت الأزمة السورية مستوى من التدويل والعسكرة يندر أن حلَّ سابقاً في أزمات داخلية مماثلة؟ هل نستطيع تجاهل موقف الغرب والخليج وغاياتهم وممارساتهم؟ هل المطلوب من حزب الله المستهدف الأول من الدور الغربي - الخليجي أن يتجاهل كل هذه الوقائع؟ بالمقابل كان موقف الحزب من الحدث السوري متوازناً, الدعوة الى حوار وطني وإصلاحات شاملة وضمانات كافية للمعارضة, فهل هذا يناقض الأسس الأخلاقية والقيمية للحزب؟ وماذا عن تجاهل آلآلاف من التكفيريين والمرتزقة في سوريا وارتكاباتهم, أين الأخلاق في ذلك؟ هل يصدق أحد أن الكتلة الشعبية المنتفضة تحركها تنظيرات ميشال كيلو وهيثم مناع ورفاقهم؟ نعم لم يكن نقد الحزب لأخطاء النظام علنياً وقاسياً ولكن في الموقف السياسي كان الحزب يشدد على إدانة العنف ويسعى للحوار لتحقيق الإصلاح بما يضمن سوريا ديموقراطية ممانعة. لم تلق دعوة الحزب النجاح، ليس فقط بسبب أخطاء النظام، بل بسبب الضغوط الدولية وانجرار المعارضة بقسمها الأكبر نحو القوى الدولية التي تسعى لكل شيء إلا لسوريا ديموقراطية.

تشخيص الحزب لـتأثيرات الأزمة على موقعه في الصراع الإقليمي

هناك مبالغة غير بريئة في اعتبار الأزمة السورية خطراً وجودياً على المقاومة, بالتأكيد إنها تحد إستراتيجي لها ولكن المقاومة قادرة على التكيف مع أسوأ السيناريوهات السورية. بالطبع الحزب تلقى خسائر في سوريا حتى مع بقاء النظام ,إذ تشوهت صورته، ولكن ذلك ليس متربط بأحقية أو ببطلان موقفه بل بفعاليته الإعلامية والسياسية مقابل الآخرين في إبراز تفسيره للمشهد. ونعم أصيب الحزب بالإرباك في بداية الأحداث السورية, ولكن أليس هذا حال واشنطن في أحداث مصر وتونس والبحرين. القول إن الحزب قابل لتلقي الضربات والإرباك ليس نقيصة, هذه حال حتى أعتى القوى الدولية, العبرة في قدرته على التكيف والمرونة والمناورة وابتكار مسارات جديدة, ومن ثم الناتج النهائي للمواجهة. لذا، لا معنى للحديث المفتعل والمضخم عن خوف الحزب وتخبطه. بالنهاية لا منتصر في الأزمة السورية. ما يحد من خسارة «حزب الله» في سوريا هو خروجها من إطار المباغتة والصدمة, والحزب قادر على التأثير السياسي العميق في الوضع السوري بأي مرحلة بشكل مباشر او عبر حلفائه. أما ممرات السلاح فهي أهون المشاكل.
مهما صح من انتقادات لسياسات النظام السوري الداخلية إنما، في المقابل لا يصح إنكار شراكة النظام الكاملة في جملة الهزائم التي ألحقت بالأميركيين والصهاينة في المنطقة. وعليه ليس موقف الحزب في سوريا من باب «التعمية» او «الإنكار» او «الولاء شبه المطلق للنظام السوري» (كما اوردت الدكتورة هلا أمون) بل من باب قراءة شاملة للأزمة السورية، ولدور الداخل والخارج فيها، وإدراك عميق لدور سوريا في المقاومة. نعم، تُبرز التغطية الإعلامية والمذهبية للأزمة بأن «حزب الله» يتجاهل التزامه الديني والأخلاقي لأجل مصلحة مادية, ولكن في ذلك جملة شبهات, فالحزب لديه وقائع كافية موثقة بأن ما يجري يتجاوز بكثير كونه انتفاضة شعبية, والتزامه الأخلاقي هو تجاه السوريين جميعاً, معارضين ومؤيدين، تجاه نظام عانى الكثير لوقوفه في خندق المقاومة، حين كانت أنظمة العرب تطعنها بخناجرها الملوثة بالنفط. والأهم أن المصلحة المادية للحزب ليست مصلحة سياسية ضيقة وفئوية، بل تتمثل في حرمان أميركا وإسرائيل من مكسب كبير، ستستغله لإعادة إحكام هيمنتها على المنطقة وشعوبها بعد سنوات من إنجازات المقاومة وتضحياتها.

لطالما تحمل حزب الله طوال مسيرته كثيراً من الجراح التي تناستها خدمة للمقاومة, تناسى طعنات السلطة اللبنانية, وغدر خصومه المحليين, وخيانة العملاء, وجشع الحلفاء, وتآمر أنظمة العرب, وإنكار الشركاء, تناسى كل ذلك لأجل المقاومة لأنها مشروع حياة لكل هذه الأمة. «حزب الله» معترف بحق الشعب السوري في تقرير مصيره, ويدعو للحوار ولعملية سياسية بضمانات كافية لكلا الطرفين, فيما الآخرون على شعار، إما رحيل الأسد وإما الحرب المذهبية الطاحنة. أما بعض المثقفين فمكتفون ببياناتهم عن «المدينة الفاضلة» يلقونها في واد سحيق أصم. في خضم كل ما يجري في سوريا, نحن جميعاً في مأزق اخلاقي (وليس «حزب الله» كما رأت الدكتورة هلا). الفارق أن بعض من هم في المأزق وقعوا فيه كراهية تفادياً لمأزق أخلاقي ووجوي آخر أشد وطأة على الأمة جمعاء, في حين وقع البعض الآخر طواعية في المأزق خدمة لمأزق أخلاقي أكثر وضاعة.

ليس «حزب الله» مثقفاً في مكتبة او مبشراً في دار وعظ, بل مقاومة في جبهة الحق بوجه استكبار عالمي, ولهذا الموقف تكاليف يرتضيها الحزب من سمعته وصورته ولحمه ودمه, وهذا هو رأسماله الأخلاقي الذي لا يفنى.

كاتب سياسي ـ لبنان

كيف تستهدف أميركا حزب الله؟





 نشرت هذه المقالة عبر صحيفة السفير اللبنانية العدد 12239 بتاريخ 23\7\2012

Hezbollah_march_beirut_1105ست سنوات على نهاية الحرب الإسرائيلية على لبنان, الحرب التي حفرت عميقاً في الوعي السياسي- العسكري الإسرائيلي, وشكلت حافزاً لموجة من الدراسات والأبحاث العسكرية والإستراتيجية في تل أبيب وواشنطن, وعليه كانت الخلاصة الأهم: لا يهزم حزب الله عسكرياً. من تلك الخلاصة تشكلت ملامح السياسة الجديدة, تغيير الملعب واللعبة والأدوات والقواعد, إنها سياسة الدمج بين القوة الناعمة والصلبة أو ما يحلو لجوزيف ناي تسميته "بالقوة الذكية" وإن كانت عبارة ناي تلك غير موفقة تماماً فالأصح أنها "إستراتيجية ذكية", أو كما عاد وأطلق عليه ناي "الإستراتيجية الليبرالية – الواقعية". إذاً هي ست سنوات من حرب جديدة , خلاصة تجارب ودراسات وابحاث, مجبولة بالدم والهزائم والاستنزاف الاميركي- الإسرائيلي في العراق وأفغانستان ولبنان. 

خيار القوة الناعمة: إستهداف الحاضنة البشرية
القوة الناعمة – بحسب منظريها - من شأنها ترميم شرعية الولايات المتحدة في المنطقة وتحد من النزف الاميركي في الموارد والقدرات, وتفتح مسارات جديدة  للتأثير والنفوذ, وهو ما يتيح لواشنطن إعادة إنتاج هيمنتها بما يتلاءم مع بنية القوة في الشرق الاوسط. لقد كان انطونيو غرامشي مدركاً ذلك منذ العام 1925 بقوله " إن إحدى العقبات الرئيسية أمام التغيير هي أن القوى المهيمنة تعيد إنتاج إيديولوجية الهيمنة". تستند فكرة القوة الناعمة إلى تغيير الأفكار والقيم والمعايير والتفضيلات لدى المستهدف بما يسمح لقوة الهيمنة بإعادة إنتاج هوية ومصالح المستهدف بالشكل الذي يلائمها. إذاً هي قوة لا تستند الى القهر والزجر بل الى ثلاث "وسائل تعاونية" الجذب والاقناع وتحديد الاجندات (جوزيف ناي – كتاب مستقبل القوة, 2011)
القوة هنا ليست أمر "تملكياً" أي تحدد فقط بما يحوزه طرف ما من موارد (كما في القوة الصلبة) بل هي "علاقة تبادلية" أي ليس لها قيمة ثابتة بل متغيرة بحسب الخصم المقابل وإطار الصراع وزمانه ومكانه ووسائله. وعليه وإن كان يمكن قياس القوة الصلبة من خلال المدخلات, فإن القوة الناعمة تقاس مبدئياً بالمخرجات ولذلك يحتل المستهدف أهمية وازنة في تحديد هذه القوة. فالقوة الناعمة لا يمكن قياس نتائجها إلا بناء على المعاني والافكار التي كونها المستهدف بُعيد إخضاعه لتأثيرات هذه القوة. إن فعالية القوة الناعمة تتحدد غالباً بمدى ما تحققه من قبول, وشرعية, وانجذاب عند المستهدف.
 
ففي زمن التهديدات اللامتماثلة والعولمة والمصالح المتداخلة والثورة المعلوماتية تصبح القوة الصلبة محدودة التأثير وهو ما أثبتته التجارب في العراق ولبنان وفلسطين وافغانستان. ولذلك من الامثل لقوى الهيمنة أن توجه مواردها نحو الضغط وإعادة تشكيل البنى الاجتماعية, والاقتصادية, والفكرية, والثقافية القائمة، وهو ما يصطلح على تسميته " السياسة الخارجية البنيوية" . بناء على ما تقدم صاغت الولايات المتحدة "الدليل الأميركي لمكافحة حركات التمرد" الصادر عن وزارة الخارجية عام 2009, ومنه يمكن الانطلاق لفهم السياسة الأميركية المتبعة  لمواجهة حزب الله.
تمتاز الإستراتيجية المتبعة منذ حرب  2006 بخصائص عدة وأهمها: أنها متمحورة حول السكان وليس العدو ذاته أي تستهدف البيئة الحاضنة للمقاومة على مختلف مستوياتها المحلية - الوطنية – ما فوق الوطنية, ثانياً يغلب عليها الجهد المدني- السياسي.  ثالثاً, مركبة على مستوى الأدوات والفاعلين, ورابعاً تعتمد على معالجة "جذور" حالة المقاومة وليس ظواهرها. إلا أن الخاصية الأولى هي الأبرز. منذ 2006 نقل المحور الإميركي جهوده الى المستوى المجتمعي, أي الى مستوى القيم والافكار واللغة والخطاب والمفردات والهوية, ومنها لإعادة تشكيل كاملة لحالة "المقاومة" وإنتاج صورة جديدة لها. وبحسب الدليل الأميركي فإن عزل المقاومة شعبياً يتحقق عبر:
أ‌-     قطع العلاقات المالية, والإيديولوجية, وحالة الخوف بين المقاومة والسكان, أي أن الرؤية الأميركية تصنف العلاقة بين الطرفين بناء على دوافع ثلاثة: المنفعة, الرضوخ والانتماء العقائدي. وعليه فالمطلوب هو برامج وسياسات تهدف الى تأمين جملة من الخدمات والمنافع سواء عبر أجهزة الدولة, أم عبر منظمات وأحزاب حليفة أم عبر برامج دعم وتوظيف خارجية حكومية وغير حكومية بما يحد من فعالية الدافع الاول ويخلق بديلاً اقتصاديا داخل البيئة الشيعية بالتحديد. يضاف الى ذلك السعي الى إضعاف البنية العقائدية والدينية في الوسط الشيعي لا سيما تلك ذات البعد الثوري, وأخيراً تشجيع حالة الرفض والتمرد على خيارات المقاومة السياسية تحت عناوين مختلفة.
ب‌-                       البحث عن خطوط التفسخ, أي حيث يكون تقاطع المصالح بين المقاومة وطرف مؤيد لها او حليف هو الأضعف, ثم القيام بوضع إسفين في هذا الفسخ عبر استخدام اسلوب العصا والجزرة, وهذا ما تشجعه الولايات المتحدة من خلال استقطاب او إخافة القوى الحليفة للمقاومة لا سيما مع من تعتقد واشنطن ان علاقتهم بالمقاومة ظرفية أو هشة, وهو ما حاولته مع حركة أمل والتيار الوطني الحر وبعض القوى السنية, ويبدو من هذه الناحية أن نجاحها كان محصوراً الى حد كبير بالبيئة السنية لأسباب خاصة.
ج- يجب التصالح مع أو عزل الشخصيات التي تنتمي للمقاومة ولها صلات شخصية تلعب دور الوصل بين قيادة المقاومة ومجموعات اجتماعية محددة (عائلية, عشائرية, مناطقية ). وفي هذا الإطار يمكن ملاحظة دور بعض رجال الدين والشخصيات الاجتماعية والسياسية الشيعية بالتحديد أو المنتمين سابقاً للمقاومة وسعيهم لتحييد جزء من البيئة المتأثرة بهم عن مشروع المقاومة, وما كشفته وثائق ويكيليكس في هذا الاتجاه أكثر من كافٍ.(أنظر مثلا الى دارسة "المستقلون الشيعة في لبنان: ماذا تخبرنا ويكيليكس عن الجهود الأميركية لأيجاد بديل لحزب الله", مركز غلوريا الإسرائيلي, 22 كانون أول  2011)

جدلية المقاومة والحكومة:

اما على مستوى علاقة المقاومة بالسلطة السياسية أو الحكومة, فتفترض الإستراتيجية الأميركية كما يظهر في الدليل المذكور, ان مواجهة المقاومة تقتضي تمتين سلطة الحكومة الشرعية, إذ إن نفوذ أحدهما مرتبط بالآخر, أي يتحركان آلياً بطريقة متعاكسة. إن كل جهد يعزز سلطة الحكومة يقضم من نفوذ المقاومة. بهذا المعنى تستند فعالية مكافحة التمرد/ المقاومة إلى تحقيق توازن دقيق بين بُعدين: بُعد "تدميري" لحركة التمرد/المقاومة وبُعد "بنائي" لحكومة شرعية وفعالة. ويستند قياس هذه الفعالية الى النقاط التالية:
-       إذا أصبحت الحكومة تتمتع بالشرعية مع وجود مؤسسات فعالة على كافة المستويات لتلبية حاجات السكان بما فيها من آليات لمواجهة المظالم التي كان يستغلها المتمردون/ المقاومة.
-       إذا تم تهميش وعزل وفصل حركة التمرد/ المقاومة وقادتها عن السكان, وهذا يتم بصور مختلفة منها: إشاعة قيم وسلوكيات مختلفة عن عقيدة المقاومة الدينية والسياسية, شيطنة المقاومة بإظهارها ميليشيا مذهبية إجرامية غارقة في الفساد الداخلي ومتعطشة للعنف (حملة أحب الحياة), الترويج لفكرة تبعيتها لجهات خارجية, إشاعة الشك حول صدقية قيادتها, وإبراز تناقض المصالح بينها وبين شرائح اجتماعية مختلفة.
-       إذا تم حل أو إنهاء حال التعبئة أو دمج قوات المتمردين/المقاومة المسلحة بالبنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للدولة, وهو "للمصادفة" ما تطرحه بعض قوى 14 آذار في سياق الحديث عن حل "لمشكلة" سلاح المقاومة, كالفكرة القائلة بدمجه بالجيش اللبناني.
 
منذ انطلاقة حزب الله كحركة مقاومة سعت واشنطن الى احتوائه من خلال "الدولة". وكانت ذروة تلك المحاولات عام 1993 عندما اتفق الأقطاب السياسيون آنذاك على خطة لإرسال الجيش الى الجنوب, والتي حال دون تطبيقها تدخل الرئيس السوري حافظ الأسد, وهي الحادثة التي عززت علاقة الثقة والتعاون بين الحزب والقيادة السورية بشكل مباشر. طوال فترة الوجود السوري في لبنان كان الحزب مطمئناً لقدرة الدور السوري على ردع السلطة اللبنانية عن التآمر على المقاومة والتصادم معها, وهو ما تحقق وأتاح للحزب التحلل من الملفات الداخلية وتعقيداتها. إلا أن ذلك لم يعد ممكناً في ظل القرار 1559 واغتيال الرئيس الحريري ومن ثم الانسحاب السوري.
في المرحلة التالية, استفادت واشنطن من الفراغ السياسي-الأمني الذي تركه الانسحاب السوري من لبنان لبناء حالة محلية هدفها استنزاف المقاومة وعزلها. بما أن المطلوب هو إظهار الحزب كميليشيا مذهبية خارجة على الشرعية الوطنية كان لا بد من وضعها في حال صدام مع السلطات الشرعية ولذا كان فوز 14 آذار في الانتخابات ضرورياً وهو ما كان لا سيما بعد الانقلاب على التحالف الرباعي ولاحقاً خروج الوزراء الشيعة من الحكومة. طوال تلك الفترة الممتدة من 2005 اعتقدت واشنطن أن بإمكانها عزل المقاومة عن السلطة كلياً تمهيداً للصدام معها, وفي سبيل ذلك قدمت واشنطن دعماً مادياً ولوجيستياً بارزاً للقوات الأمنية اللبنانية لا سيما قوى الأمن الداخلي التي تطمئن واشنطن لها. ولكن التركيبة اللبنانية وقوة المقاومة السياسية ومروحة تحالفاتها السياسية حالت دون إقصاء الحزب وعزله, وبقي الصدام مع الحزب في أغلبه من داخل الحكومة وليس من خارجها. وبالنتيجة تحولت سياسة واشنطن نحو إغراق الحزب في الفوضى الداخلية ولا سيما في السنتين الأخيرتين, اي محاولة إغراقه في فوضى السلطة, بفراغها وفسادها.  

المعرفة والتأثير في الإستراتيجية الأميركية:
تستند الإستراتيجية الأميركية على عدة مكونات, منها مكون أمني, اقتصادي, والأبرز المكون المعلوماتي. المعلومات هي العنصر المؤسس لكافة الأنشطة وهي تنقسم الى اتجاهين: المعرفة والتأثير.
-المعرفة بالخصم وقبله بالسكان, وهي المعلومات الضرورية لتأسيس مقاربة محددة تجاه الخصم. ويمكن ان تنقسم هذه المعرفة الى مستويات عدة: معرفة إستراتيجية (معرفة العوامل الجذرية للمقاومة)، معرفة عملياتية (فهم نقاط القوة والضعف)، معرفة تكتيكية ( أفرادها الفاعلين, قدراتها, نواياها, فهم تصورات وهموم واهتمامات المتعاطفين معها). يقدر الأميركيون – كما يرد في دليل مكافحة التمرد - أن "المصدر الإنساني للمعلومات عبر المدنيين او المعتقلين أو المنشقين عن المنظمة كان له المساهمة الأكبر في نجاح مكافحة حركات التمرد", وهو ما يفسر هذا الاهتمام الإميركي الكبير باختراق جسم المقاومة كما يظهر في الفترة الأخيرة.
-التأثير: إن فعالية إستراتيجية مواجهة المقاومة يجب أن تستند إلى قدرة تشكيل آراء مجموعات مختلفة من السكان من خلال إرسال الرسائل والأفعال. إن هذه القدرة في الـتأثير يجب أن تطال الدولة المعنية, الشعب الأميركي, الدول المجاورة ومجتمعات المهاجرين. يجب أن تكون الرسائل الموجهة لكل طرف مناسبة له من دون ان تقع هذه الرسائل في التناقض وهذا ما يمكن تجنبه عبر انطلاق هذه الرسائل من إستراتيجية واحدة. إن إستراتيجية التأثير يجب ان:
أ‌-     تخاطب الدوافع العقائدية, والاجتماعية, والثقافية والسياسية التي تؤثر أو تولد حساً بالمصلحة العامة والهوية المشتركة لدى السكان المستهدفين والولايات المتحدة. في هذا السياق نستذكر تكرار 14 آذار لعبارة "تقاطع المصالح مع الولايات المتحدة" كما في مسألة سلاح المقاومة, والموقف من سوريا وإيران, ورفض مساندة المقاومة الفلسطينية وكل ذلك بحجج ظاهرها السيادة والحرية والاستقلال.
ب‌-                       كما يجب أن تسعى إستراتيجية التأثير الى تهميش أيديولوجية المتمردين بين السكان وكذلك الى كشف التوترات في الدوافع داخل حركة المتمردين, وهو ما يجري من خلال بث اخبار وشائعات عن دوافع مالية, وإجرامية, ومذهبية, وسلطوية لمراكز القرار في حزب الله .
في سبيل رفع فعالية التأثير من الأفضل أن تتولى جهات محلية توجيه الرسائل المطلوبة للتأثير على السكان (مسؤولون رسميون, قوى سياسية, إعلاميون), كما أن هذه الرسائل يجب أن تكون بسيطة, قابلة للرسوخ في الذاكرة. وهذا يستلزم " تحليلاً تفصيلياً للجمهور" لكل جزء متمايز من السكان (شيعة, سنة, مسيحيين ..) بالإضافة الى مقاييس موثوقة لقياس هذه الفعالية. فمثلاً في الخطاب الموجه للمسيحيين يتم التركيز على الرسائل التي تبرز تناقض سلاح المقاومة مع مفهوم الدولة والشرعية, مع السنّة التركيز على الهيمنة السياسية والمذهبية للمقاومة, مع الشيعة على الأعباء والمخاطر التي ينتجها سلوك الحزب على الشيعة ككل. إذاً الأدوات التنفيذية هي ادوات محلية فيما الأميركيون في الكواليس. لا يعني ذلك ان كل من اختلف مع المقاومة هو "عميل". ولكن من السذاجة البالغة أيضاً إنكار الدور المتواطىء الذي يمارسه كثير من خصوم المقاومة المحليين فالخلاف بين المقاومة و14 آذار في أغلبه مرتبط بهذه النقطة وليس له علاقة بالسياسة الداخلية, وهو ما يجعل حدث 7 أيار عام 2008 حدثاً مفهوماً.
يعتبر الإعلام بكافة تنويعاته هو الوسيلة الأبرز في  توجيه هذه الرسائل. ولكن من التحولات التي برزت في السنوات الأخيرة الاعتماد الأميركي على وسائل إعلام محلية لإيصال الرسائل وذلك لكونها اكثر قدرة على محاكاة الخصوصيات ولا تثير الشبهة والريبة واكثر وصولاً للمشاهد وكذلك أقل كلفة من تشييد وسائل إعلام أميركية تبث باللغة العربية. فمؤسسة راند الأميركية مثلاً أوصت بأن " راديو سوا والحرة جرى تصورهما كأدوات للحكومة الاميركية, ورغم كلفتهما العالية إلا أنهما لم يحققا نتائج في تشكيل مواقف ايجابية تجاه الولايات المتحدة. إننا نعتقد بأن التمويل المبذول لإذاعة سوا وقناة الحرة من الافضل أن يوجه الى وسائل الاعلام المحلية والصحافيين المحليين المؤيدين للديموقراطية والتعددية". (بناء شبكات إسلامية معتدلة, 2007). وفي تسريبات ويكيليكس يشير السفير الأميركي في السعودية الى تأثير أحد البرامج الأميركية التي تبثها MBC على المجتمع السعودي والمرأة تحديداً. وفي السنوات الأخيرة يمكن ملاحظة الكم الملفت من المواقع الإلكترونية والصحف والقنوات التلفزيونية اللبنانية والعربية التي تكرس جهداً وموارد للتركيز على حزب الله وهي تتصف بتمويل سخي وتقنيات عالية وقدرة متقدمة للوصول الى الجمهور.
وفي سياق "التأثير" ولكن من الجهة المقابلة يجب على إستراتيجية مواجهة المقاومة -وبحسب الدليل المذكور- أن "تمنع الخصم من جمع المعلومات وكذلك من إستخدامها للتأثير على البيئة المعنية. ويجب ان تكون الرسائل الموجهة كردة فعل على رسائل الخصم سريعة لمنع رسائله من الرسوخ في ذهن السكان". لا يكاد ينهي الأمين العام لحزب الله خطاباً إلا وتتوالى الردود عليه خلال دقائق وعلى مدى أيام والهدف التشويش على رسالة الخطاب ووضعها في متاهة الردود المتبادلة والصخب الإعلامي. في ذات السياق يجري أحياناً التركيز على تفاصيل غير ذات أهمية رافقت ظهور السيد, مثلاً الضجة التي أثيرت حول وشم سيف ذي الفقار على معصم أحد مرافقي السيد نصر الله أثناء إطلالته العاشورائية المفاجئة على المنصة العام الماضي, حتى أن صحيفة الشرق الأوسط أفردت مقالاً خاصاً للحديث عن هذا الوشم وأثارته من زاوية مذهبية.
 

سعت الإستراتيجية الأميركية تجاه حزب الله خلال السنوات الست الماضية الى أربع غايات أساسية: تقليص شرعية المقاومة, تعميق الانقسام الوطني حول دورها, عزلها على المستوى الخارجي, وتقييد خياراتها السياسية وقدرتها على المبادرة. هذه الغايات من شأنها عند حد معين أن تجعل من هزيمة المقاومة عسكرياً أمراً واقعياً كما يعتقد الأميركيون. في الخلاصة, بدل "اصطياد" حزب الله  تسعى واشنطن الى تلويث المحيط الذي يسبح فيه, أي جعل الحزب "جسماً غريباً" داخل البيئة الوطنية والإقليمية بحيث تنبذه تلك البيئة التي يتحرك فيها ومنها, وحينها فقط تصبح فرضية القضاء عليه عسكرياً متاحة. وعليه, في المقابل هناك حاجة ملحة لإستراتيجية شاملة مقابلة وليس فقط جملة ردود فعل عشوائية, والأهم أن المواجهة واكثر من أي وقت مضى ليست مسؤولية الحزب كمنظمة فقط, بل مسؤولية كل فرد وجماعة -مهما إختلف موقعها- وقفوا في 14 آب 2006 وقالوا بالبسمة والدمع: إنتصرنا. 

حسام مطر - كاتب وأكاديمي لبناني

 (ملاحظة الفقرات باللون الأحمر لم ترد في النص المنشور في السفير نظراً لإضطرار المحرر لحذفها بما يتلاءم مع المساحة المتوفرة للمقال على ما يبدو).

سوريا: ستاتيكو ميداني وتسوية، وإلا فمواجهة شاملة


نشرت هذه المقالة عبر موقع الإنتقاد بتاريخ 13\2\2012

لا يزال السؤال حول مصير الأزمة السورية هماً إقليميا ودولياً ، إذ أن نتائج الأزمة سيكون لها بدون أدنى شك إرتدادات عميقة على توازنات القوى في المنطقة. تتعدد التكهنات حول مآل الأزمة بين قائل بالحسم لصالح النظام وبين متيقن من سقوطه ولو بعد حين. إلا أنه وبالنظر الى وقائع الأزمة وتعقيداتها الميدانية والإجتماعية والخارجية، تبدو كلا الوجهتين شديدة التبسيط والدعائية والشعبوية. فبعد أكثر من عشرة أشهر على المواجهة القاسية بدأت ترتسم بوضوح حدود القوة والتأثير لدى كلا الطرفين، النظام والمعارضة المسلحة.

فالقول بإمكانية الحسم العسكري او حتى السياسي لصالح النظام يتجاهل جملة من المعطيات والوقائع، أبرزها: التمدد المسلح للمعارضة في الريف السوري والمناطق الحدودية وضواحي بعض المدن الكبرى، إنتقال المواجهة الى نموذج جيش نظامي ـ قوة تمرد، والتي يستحيل فيها تحقيق نصر ميداني لا سيما بالنظر الى الجغرافية السورية والإحتضان الإجتماعي لقوى التمرد في جملة من مناطق نفوذه، وتصاعد الخطاب المذهبي الذي يضرب أسس المجتمع السوري الإجتماعية والثقافية، الدعم اللوجيستي الهائل ـ عتاداً وعديداً ـ من أغلب الدول المجاروة لسوريا، وثم دور اللاعبين الدوليين ووسائل الإعلام.

يضاف الى ذلك، بأن الحقبة الحالية تشهد تدهوراً حاداً في فعالية القوة الصلبة بفعل التغيرات في مفهوم القوة والشرعية ودور الإعلام الحديث والرأي العام الدولي. مع العلم أن النظام يعاني من إستنزاف إقتصادي ـ خدماتي يجعل من إستخدام القوة مكلفاً، ما يجعل النظام مدركاً بعمق لحدود قوته العسكرية لذا تميل تكتيكاته نحو توجيه ضربات دقيقة محددة وفي المناطق ذات الأهمية الخاصة كريف دمشق ومدينة حمص والحدود التركية، وذلك بهدف تجنب شرك التمدد المفرط والإستنزاف.

لقد سبق لمهندس "الثورة العربية الكبرى"  المعروف بـ "لورنس العرب" أن اشار في خلاصة تجربته الى وجوب " أن يحظى التمرد بقاعدة مسالمة، بشيء محصن ليس من الهجمات فحسب بل حتى من الخوف من هكذا هجمات، كما كانت الصحراء أو مرافىء البحر الأحمر بالنسبة للثورة العربية. ويجب ان يتمتع التمرد ببيئة صديقة، ويكفي ان تكون صديقة بالمعنى السلبي أي ان تقبل بالثوار ولا تتعاون مع عدوهم. فالتمرد يمكن صنعه فقط من خلال 2% من السكان كقوة ضاربة و98% من السكان المتعاطفين. هذه الثلة من المتمردين يجب ان تمتلك مهارات السرعة، التحمل، الانتشار، والإستقلالية عن خطوط الإمداد. كما يجب أن يمتلك المتمردون التجهيزات التقنية لتدمير او شل خطوط الإتصال المنظمة للعدو". يدرك داعمو المعارضة المسلحة السورية لا سيما الأميركيين عناصر هذا النوع من المواجهة فهم كانوا من ضحاياه في فيتننام والعراق وأفغانستان، ولذا ليس مستغرباً التطور السريع الذي تشهده تكتيكات ما يسمى " الجيش الحر" في هذا المجال.


في المقابل يغفل القائلون بسقوط النظام جملة وقائع مقابلة: التماسك الواضح للجيش السوري وعدم حصول إنشقاقات كبرى، مهارة ووحدة الدبلوماسية السورية، سيطرة النظام على أغلب المدن الأساسية والتي تضم الأغلبية العظمى من السكان، التأييد الواسع للنظام لا سيما ضمن الفئات المؤثرة،  المحور الاقليمي المقاوم والذي تشكل دمشق أبرز أركانه وهو ما يؤمن لسوريا عمق إستراتيجي وذراع مقتدرة في جملة ملفات حساسة، الموقف الهام لجملة من الدول الكبرى لا سيما الصين وروسيا بما يقيد قدرة اللاعبين الدوليين على التأثير في الداخل السوري. يضاف الى ذلك وهن وإنقسام المعارضة السورية مع بروز إمكانية لتصادم سياسي ـ ميداني بين أطيافها، نفور السوريين بشكل عام من أنظمة الخليج التي تتصدر مشهد الدعوة الى ديموقراطية سورية، النتائج الفوضوية التي تمخضت عن الحراك العربي وهو ما يدفع مزيدا من السوريين الى المخاطرة بالسير وراء الإصلاحات الموعودة بدل المخاطرة بمصير سوريا كوطن.

لذا وعلى عتبة عام من إنطلاق الأزمة السورية بدأت ملامح الستاتيكو الميداني بالتبلور، وحدود وضوابط كلتا القوتين تظهر أكثر وضوحاً، وعنصر المباغتة إنحصر في النواحي التكتيكية، ويمتد هذا الستاتيكو الى ميزان القوى الدولية والإقليمية. مثلاً ، لقد سقط الرهان الذي طال الحديث عنه بأن طهران وموسكو سرعان ما سيقايضان نظام الأسد بجملة ضمانات أمنية، تماما كما سقطت إمكانية تطبيق النموذج اللليبي. بناء على هذا كله، فإن خط الشرخ السوري أصبح واضحاً وشبه ثابت وهو يقسم الإقليم السوري الى مناطق نفوذ بين الطرفين، والذي عليه سيدور الجزء الاكبر من المناوشات والاحتكاكات العسكرية في ظل اختراقات متبادلة بحسب تغير الظروف المذكورة أعلاه.

من حيث تأثيرات هذا الستاتيكو على التوازن الإقليمي،  تبدو سوريا نسبياً قادرة على ممارسة دورها ضمن محور المقاومة كعمق إستراتيجي وعقدة وصل. في المقابل نجح الأميركيون وحلفاؤهم في تشتييت القوة السورية، إستنزافها، والإنتقاص من فعاليتها في أي مواجهة مستقبلية مع "إسرائيل". في الخلاصة يبدو ان الستاتيكو الميداني بات شبه متحقق، بالتوازي مع مبارزة سياسية محتدمة ، الإصلاحات من جهة النظام والضغوط الإقتصادية والدبلوماسية من ناحية داعمي المعارضة. لقد إنقلبت المواجهة في سوريا من حالة نظام ـ معارضة الى حالة الحرب الأهلية المحدودة، بما يفرض تغييراً في أدوات المواجهة ووسائل إنهائها وشروط التسوية فيها. مع تعذر الحسم لكلا الطرفين لا تبقى إلا التسوية السياسية، ولكن بأي أثمان؟ وأي شروط؟ وبين من ومن؟ أو ربما سيقتنع الجميع بواقع الحال، سوريا المنقسمة على نفسها، غير ذلك لا تبقى إلا المواجهة الشاملة.

إسلاميو السلطة: معضلة القيم والمصالح


نشرت هذه المقالة في صحيفة السفير , العدد 12107, تاريخ 11\2\2012


تمكن الإسلاميون من تحقيق نصر جلي في الانتخابات التشريعية المصرية، إلا أن نصرهم السياسي أي القدرة على إدارة شؤون الدولة والمجتمع بشكل عادل ومستدام لا زال بعيداً، إذ ان الفوز السياسي أكثر تعقيدا بكثير من الفوز الحسابي، فالأرقام كثيراً ما تكون خادعة ومضللة. في الحقيقة لم يتجاوز الإسلاميون في مصر وسواها إلا المرحلة السهلة، مرحلة نقد النظام وكشفه والوعد ببديل قادر على إيجاد الحلول، مرحلة "الإسلام هو الحل". لطالما أجاد الإسلاميون الاداء في هذه مرحلة لأنها مرحلة الوعظ والتبشير والتنظير ولن يعصى على الإسلاميين ترداد جملة من النصوص المقدسة والآيات القرآنية القادرة على تعبئة الجماهير وحشدها ومدها بالأمل، لا سيما أن قادة الحركات المؤدلجة عادة فصحاء وأهل خطابة. وبالواقع لقد تجاوزت أغلب الحركات الإسلامية هذه المرحلة بنجاح، عبر استغلال سقطات وفشل النظام القائم، الاستخدام الكثيف للخطابة الدينية، مجموعة من الخدمات الاجتماعية، وقدرات تنظيمية عالية.
في المقابل لطالما كانت مرحلة التصدي والحكم هي الفيصل في قياس نجاح هذه الحركات، والتي غالباً ما رسبت فيها لجملة عوامل موضوعية وذاتية. ويمكن تلخيص التحديات الأبرز التي ستواجه الإسلاميين عموماً في هذه المرحلة بالتالي: وحدة الحركة الإسلامية ذاتها، إشكالية القيم والعقائد في مواجهة الواقع - وهما تحديان يثيران مع الوقت إشكالية "الهوية" - إيجاد البديل الاقتصادي، التعاطي مع المعارضة الداخلية ومسألة الحرية والديموقراطية، كيفية مواجهة الضغوط الخارجية، أي بالمختصر تقديم نموذج حكم عادل مقتدر ديموقراطي ومستقل. بالنظر الى هذه التحديات التي لطالما لاحقت الإسلاميين وأدت غالباً الى سقوطهم أو وهنهم، يمكن توقع التحديات التي ستواجه إسلاميي مصر في المرحلة المقبلة.

كل هذه التحديات ستنتج انقساماً ربما يصل الى مستوى الصدام داخل الحركة الإسلامية بين الأصوليين والبراغماتيين، الاتجاه الأول سيفسر الوقائع السياسية من منظار حرفية النص الديني، فيما الاتجاه الآخر سينحو باتجاه إيجاد فاصل بين مجالي السياسة والدين، وهو فاصل يترواح ما بين العلمانية والواقعية المقيدة. من أبسط الأمثلة، الإشكال الأخير في البرلماني المصري بين رئيس المجلس وأحد النواب بعد ان قام الأخير برفع الأذان داخل المجلس اعتراضاً على عدم تعليق الجلسة لصلاة العصر، ما انتج مشادة بين النئب السلفي والاخوان الذين افتى احدهم بجواز جمع صلاتي الظهر والعصر أثناء العمل. قد يبدو المثال بسيطاً إلا انه يؤشر لما سيكون عليه واقع الحال في القضايا السياسية الكبرى لا سيما في الإقتصاد والسياسة الخارجية، وهو ما دفع مايكل سينغ الى مخاطبة الليبراليين في مصر بأنه بدلاً من الشعور "بالإحباط نتيجة أدائهم الانتخابي المخيب للآمال، ينبغي عليهم التركيز على اللعبة الاقتصادية الطويلة، لأن أي حزب يوفر الازدهار للمصريين سوف يحكم مصر" (الأزمة الاقتصادية المتنامية في مصر، فورين بوليسي، 20 كانون الأول 2011).

إلا ان واقع هذا الانقسام ليس دينياً محضاً، بمعنى أن جذوره ليست ناتجة فقط عن رؤى عقيدية وفقهية متفاوتة، بل تشترك فيها عوامل التنافس السياسي والشرعية. تتنافس القوى الإسلامية على وعاء واحد إجمالاً، وهي الطبقات الشعبية الفقيرة والمجموعات المتدينة، ففيما سيسعى إسلاميو السلطة الى تبني منهج واقعي بهدف مجاراة الوقائع الاقتصادية والمادية بما يمكنهم من تقديم مكاسب ترضي الناخبين، سيعمل إسلاميو الأقلية على تركيز النقد حول إنتهازية إسلاميي السلطة وإنحرافهم عن الضوابط الشرعية والفقهية بالإضافة الى إستحضار قضايا كبرى، ذات حساسية إسلامية، ورميها بوجه خصومهم متهمين إياهم بهجرها والتقصير فيها كنصرة المسلمين في بلدان محددة، مواجهة إسرئيل، والقضية الفلسطينية. إلا أن الامور لن تنتهي هنا، باعتبار انه في حال فشل إسلاميو السلطة في تحقيق ما يرضي الناخبين، وفي ظل النمو الشعبي للمعارضة الإسلامية وإستقطابها لما يتساقط من إسلاميي الحركة الأم، سيجد إسلاميو السلطة غالباً ضرورة في العودة الى الخطاب العقائدي، إلا ان وجدوا إمكانية ومصلحة للتحالف مع القوى الليبرالية في وجه الأصوليين، أو كانت هواجسهم تجاه الخارج هي الراجحة.

بهذا المعنى سيحرص الأخوان في مصر على تقديم خطابين، إلا ان ذلك يزداد صعوبة بعد أن اصبح الأخوان مكشوفين لأضواء السلطة والإعلام. هذه الازدواجية لن تكون ذات صلة فقط بالساحة الداخلية كما يُظهر دافيد بولوك. فقد أجرى بولوك مقارنة بين ما يبثه الإخوان في مصر على النسختين العربية والإنكليزية لموقعهم الإلكتروني، وخلص الى وجود خطابين لدى الجماعة، خطاب موجه الى الغرب مثقل بالمديح للديموقراطية (بالإنكليزية) والآخر إسلامي متشدد معاد للغرب (بالعربية). واعتبر الكاتب ان هذه الازدواجية لطالما ميزت خطاب الإخوان لذا "يتعين على الولايات المتحدة أن تتعامل مع «الجماعة»، لكن لا يتعين أن نثق بأي شيء تقوله - حتى تُثبت العكس على الأقل". (واشنطن بوست، جماعة الإخوان الملسمين في مصر وسجلها في ازدواجية الخطاب، 26/1/2012)
في الخلاصة، سيكون الاشتباك السياسي المقبل في أغلبه داخل الحركة الإسلامية نفسها، وسيدور الخلاف الجوهري حول تعيين حدود الواقعية والنص الديني في الممارسة السياسية، وهو ما يرجح أن ينتج تيارات أساسية ثلاثة: الأول سيكتفي بالخطاب الديني دون الممارسة، والثاني سيتقيد بحرفية النص وسيتجه بالتالي نحو الضمور والعذلة، والثالث سيخوض تحدي البحث عن معايير تضمن إمساك العصا من الوسط وهو ما يحتاج الى تجربة سياسية نقدية وذهنية منفتحة على الواقع وقلب صادق في التزامه القيمي والايماني. لكل هؤلاء نكرر وراء علي شريعتي: "إلهي لقن المتدينيين أن الإنسان من تراب، وأن ظاهرة من مادة تفسر الله بقدر تفسير ظاهرة من غيب، فله في الدنيا وجود يساوي وجوده في الآخرة. لقنهم أن الدين إن لم يسبق الموت، فلا معنى له ، ولا فائدة فيه بعد الموت".

حسام مطر
باحث وأكاديمي ـ لبنان