مقال نشر في موقع العهد الإخباري, بتاريخ 14\5\2103 حسام مطر |
| لم يقل وزير الحرب الأميركي تشاك هيغل جديداً عندما صرح منذ أيام أمام "معهد واشنطن" بأن "النظام القديم في الشرق الاوسط يزول وما سيحل محله ما زال مجهولا"، بل الأصح أنه زال وانتهى الى غير رجعة، ولكن البديل نعم ما زال مجهولاً الى حد ما. منذ نهاية الحرب الباردة تمكنت واشنطن من أن تكون قوة هيمنة أحادية في الشرق الأوسط ولم يبدأ ذلك بالتغير الا مع نهاية التسعينيات. لقد نجحت الولايات المتحدة في تحييد مصر والعراق من بنية القوة في المنطقة فيما رسخت تحالفها مع تركيا و"اسرائيل"، الا أن العقبة العصية أمام استمرار هذه الهيمنة كانت الدور الايراني الذي رعى وأدار حلفاً متعدد الطبقات والمهام ومتداخلاً بشكل استراتيجي امتد من سوريا الى لبنان وفلسطين المحتلة مع عمق شعبي يطال مجمل المنطقة العربية. توافق هيلاري ليفيرت (من معهد جاكسون ) على هذه الخلاصة،حيث رأت بأن سنوات ما بعد 1990 أتاحت للولايات المتحدة بناء "هيمنة في الشرق الأوسط، أي نظام اقليمي امني، سياسي، وشديد العسكرة تقوده الولايات المتحدة، واليوم هذا النظام يختفي أمام أعيننا.... في ظل تغير دراماتيكي في ميزان القوى الاقليمي بعيداً عن الولايات المتحدة لمصلحة ايران وحلفائها". كان فشل عدوان تموز بمثابة اعلان عن بداية سقوط النظام الاقليمي القديم في الشرق الأوسط وبدء النظام الاقليمي الجديد الذي ستتراجع فيه هيمنة الولايات المتحدة في الاقليم. هذا الفراغ الأميركي كان ضرورياً لاسقاط النظام العربي الرسمي التابع لها، وكذلك اتاح لروسيا والصين اعادة تعريف مصالحهما القومية في المنطقة بشكل أكثر عمقاً وجرأة. نظرياً، يؤدي سقوط قوة الهيمنة الأحادية الى فترة من الفوضى والاضطراب نتيجة اختلال النظام الذي كانت ترعاه تلك القوة بالاضافة الى التنافس لاشغال الفراغ، وهذا بالضبط ما يحصل في الشرق الأوسط حالياً. وهو ما استجابت له واشنطن بمرونة من خلال الدفع بتركيا وقطر الى المشهد الاقليمي لملء الفراغ والعمل كواجهة للمشروع الأميركي. هدف واشنطن من ذلك هو بناء توازن قوى اقليمي من دون أن تكون بحاجة للتورط مباشرة في المنطقة، وهذا التوازن لا يمكن أن يكتمل الا من خلال اسقاط سوريا في يد المحور الأميركي، وهذا ما يفسر جزئياً حدة المواجهة الاقليمية ـ الدولية في سوريا. تشاك هيغل : النظام القديم في الشرق الاوسط سيزول تمكنت ايران وحلفاؤها من تحقيق انجاز تاريخي في زعزعة نظام الهيمنة الأميركية ـ الاسرائيلية في الشرق الأوسط، ولكن الخصم عنيد، ومرن وموارده هائلة، ويحاول ترميم ما خسره، لذا التحدي الجديد لهذه القوى وشعوب المنطقة يكمن في ايجاد بنية اقليمية يبقى فيها الأميركي والاسرائيلي عاجزَين عن فرض أجندتهما السياسية مع فتح أفق لخلق وتمتين التعاون الاقليمي على مستوى المنطقة. لكن هذه العملية بحاجة لمسار طويل، لا بد من الاستمرار في استنزاف واضعاف الولايات المتحدة لأن هذا سيدفع حلفاء واشنطن في المنطقة نحو امكانية البدء بتعزيز التعاون الاقليمي من خلال اطر مؤسساتية متدرجة لتعزيز التواصل الاقليمي وبناء تفاهمات سياسية وأدوات تنسيق وتشاور وآليات لحل الخلافات وصولاً الى شراكات استراتيجية ومنها الى تكامل اقتصادي، سياسي، وأمني. وفي ظل هذه الفوضى ترتسم صورة الشرق الأوسط على شكل خرائط العصور الوسطى (حسب تعبير روبرت كابلان) حيث لم تعد الحدود السياسية قائمة الا بقدر الضرورة، فيصبح النفوذ السياسي عابراً للحدود الوطنية بشكل ضبابي، متداخلا ومعقدا، ولا سيما أن الغالبية العظمى من دول المنطقة هي دول ضعيفة وفاشلة والحكومات المركزية مشلولة بالكامل. في هذه المرحلة ترتسم صورة النظام الاقليمي الجديد بتوازنات وقواعد جديدة، ستتزايد أهمية القوى الاقليمية بالتحديد ايران وتركيا، سيصبح دور القوى الدولية في الشرق الأوسط أكثر بروزاً، دور أكثر حضوراً للجماهير والقوى غير الدولية، وصعود للهويات والحساسيات التاريخية. لا يبدو أي من المحورين معنيا بحرب اقليمية كبرى. المحوران يتصارعان ولكن بعض قواعد اللعبة المتفق عليها ضمنياً تؤدي دور صمامات الأمان. هي لحظة تأسيسية في تاريخ المنطقة، كل خطأ يمكن أن يتحول الى خطأ قاتل، وعلى صانعي القرار محاولة التركيز على فكرة "المصالح المشتركة" لأبناء المنطقة بدل الغوص في الحساسيات الثقافية. كل موقف اليوم يجب أن يستند على حسابات بعيدة الأمد من دون الوقوع ضحية الخوف من اللحظة الراهنة. محور المقاومة أنجز ما لم يكن بالحسبان، لكن الأمور بخواتيمها، هي فرصة تاريخية تستحق كل التضحيات وتحتاج لكثير من الوعي والرؤية. فرصة تكوين شرق أوسط خارج الهيمنة الأميركية وقابل للتطور لما فيه خير شعوبه في الحرية والكرامة والعدالة. باحث ومحلل سياسي |
نشرت هذه المقالة عبر موقع الإنتقاد بتاريخ 13\2\2012
فالقول بإمكانية الحسم العسكري او حتى السياسي لصالح النظام يتجاهل جملة من المعطيات والوقائع، أبرزها: التمدد المسلح للمعارضة في الريف السوري والمناطق الحدودية وضواحي بعض المدن الكبرى، إنتقال المواجهة الى نموذج جيش نظامي ـ قوة تمرد، والتي يستحيل فيها تحقيق نصر ميداني لا سيما بالنظر الى الجغرافية السورية والإحتضان الإجتماعي لقوى التمرد في جملة من مناطق نفوذه، وتصاعد الخطاب المذهبي الذي يضرب أسس المجتمع السوري الإجتماعية والثقافية، الدعم اللوجيستي الهائل ـ عتاداً وعديداً ـ من أغلب الدول المجاروة لسوريا، وثم دور اللاعبين الدوليين ووسائل الإعلام.
يضاف الى ذلك، بأن الحقبة الحالية تشهد تدهوراً حاداً في فعالية القوة الصلبة بفعل التغيرات في مفهوم القوة والشرعية ودور الإعلام الحديث والرأي العام الدولي. مع العلم أن النظام يعاني من إستنزاف إقتصادي ـ خدماتي يجعل من إستخدام القوة مكلفاً، ما يجعل النظام مدركاً بعمق لحدود قوته العسكرية لذا تميل تكتيكاته نحو توجيه ضربات دقيقة محددة وفي المناطق ذات الأهمية الخاصة كريف دمشق ومدينة حمص والحدود التركية، وذلك بهدف تجنب شرك التمدد المفرط والإستنزاف.
لقد سبق لمهندس "الثورة العربية الكبرى" المعروف بـ "لورنس العرب" أن اشار في خلاصة تجربته الى وجوب " أن يحظى التمرد بقاعدة مسالمة، بشيء محصن ليس من الهجمات فحسب بل حتى من الخوف من هكذا هجمات، كما كانت الصحراء أو مرافىء البحر الأحمر بالنسبة للثورة العربية. ويجب ان يتمتع التمرد ببيئة صديقة، ويكفي ان تكون صديقة بالمعنى السلبي أي ان تقبل بالثوار ولا تتعاون مع عدوهم. فالتمرد يمكن صنعه فقط من خلال 2% من السكان كقوة ضاربة و98% من السكان المتعاطفين. هذه الثلة من المتمردين يجب ان تمتلك مهارات السرعة، التحمل، الانتشار، والإستقلالية عن خطوط الإمداد. كما يجب أن يمتلك المتمردون التجهيزات التقنية لتدمير او شل خطوط الإتصال المنظمة للعدو". يدرك داعمو المعارضة المسلحة السورية لا سيما الأميركيين عناصر هذا النوع من المواجهة فهم كانوا من ضحاياه في فيتننام والعراق وأفغانستان، ولذا ليس مستغرباً التطور السريع الذي تشهده تكتيكات ما يسمى " الجيش الحر" في هذا المجال.
في المقابل يغفل القائلون بسقوط النظام جملة وقائع مقابلة: التماسك الواضح للجيش السوري وعدم حصول إنشقاقات كبرى، مهارة ووحدة الدبلوماسية السورية، سيطرة النظام على أغلب المدن الأساسية والتي تضم الأغلبية العظمى من السكان، التأييد الواسع للنظام لا سيما ضمن الفئات المؤثرة، المحور الاقليمي المقاوم والذي تشكل دمشق أبرز أركانه وهو ما يؤمن لسوريا عمق إستراتيجي وذراع مقتدرة في جملة ملفات حساسة، الموقف الهام لجملة من الدول الكبرى لا سيما الصين وروسيا بما يقيد قدرة اللاعبين الدوليين على التأثير في الداخل السوري. يضاف الى ذلك وهن وإنقسام المعارضة السورية مع بروز إمكانية لتصادم سياسي ـ ميداني بين أطيافها، نفور السوريين بشكل عام من أنظمة الخليج التي تتصدر مشهد الدعوة الى ديموقراطية سورية، النتائج الفوضوية التي تمخضت عن الحراك العربي وهو ما يدفع مزيدا من السوريين الى المخاطرة بالسير وراء الإصلاحات الموعودة بدل المخاطرة بمصير سوريا كوطن.
لذا وعلى عتبة عام من إنطلاق الأزمة السورية بدأت ملامح الستاتيكو الميداني بالتبلور، وحدود وضوابط كلتا القوتين تظهر أكثر وضوحاً، وعنصر المباغتة إنحصر في النواحي التكتيكية، ويمتد هذا الستاتيكو الى ميزان القوى الدولية والإقليمية. مثلاً ، لقد سقط الرهان الذي طال الحديث عنه بأن طهران وموسكو سرعان ما سيقايضان نظام الأسد بجملة ضمانات أمنية، تماما كما سقطت إمكانية تطبيق النموذج اللليبي. بناء على هذا كله، فإن خط الشرخ السوري أصبح واضحاً وشبه ثابت وهو يقسم الإقليم السوري الى مناطق نفوذ بين الطرفين، والذي عليه سيدور الجزء الاكبر من المناوشات والاحتكاكات العسكرية في ظل اختراقات متبادلة بحسب تغير الظروف المذكورة أعلاه.
من حيث تأثيرات هذا الستاتيكو على التوازن الإقليمي، تبدو سوريا نسبياً قادرة على ممارسة دورها ضمن محور المقاومة كعمق إستراتيجي وعقدة وصل. في المقابل نجح الأميركيون وحلفاؤهم في تشتييت القوة السورية، إستنزافها، والإنتقاص من فعاليتها في أي مواجهة مستقبلية مع "إسرائيل". في الخلاصة يبدو ان الستاتيكو الميداني بات شبه متحقق، بالتوازي مع مبارزة سياسية محتدمة ، الإصلاحات من جهة النظام والضغوط الإقتصادية والدبلوماسية من ناحية داعمي المعارضة. لقد إنقلبت المواجهة في سوريا من حالة نظام ـ معارضة الى حالة الحرب الأهلية المحدودة، بما يفرض تغييراً في أدوات المواجهة ووسائل إنهائها وشروط التسوية فيها. مع تعذر الحسم لكلا الطرفين لا تبقى إلا التسوية السياسية، ولكن بأي أثمان؟ وأي شروط؟ وبين من ومن؟ أو ربما سيقتنع الجميع بواقع الحال، سوريا المنقسمة على نفسها، غير ذلك لا تبقى إلا المواجهة الشاملة.
