من أنا

صورتي
باحث وكاتب لبناني في العلاقات الدولية والدراسات السياسية.حائز على إجازتي حقوق وعلوم سياسية من الجامعة اللبنانية ودبلومي قانون عام وعلاقات دولية, وماستر علاقات دولية ودراسات أوروبية.حاصل على منحة تفوق من الجامعة اللبنانية لنيل شهادة الدكتوراه. حالياً يتابع دراسة الدكتوراه في العلاقات الدولية في جامعة براغ الدولية.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الولايات المتحدة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الولايات المتحدة. إظهار كافة الرسائل

مقاربة جديدة لعدوان تموز: الحرب الوقائية

نشر في صحيفة السفير, العدد 12542 بتاريخ 30\7\2013
حسام مطر

سبع سنوات على العدوان الإسرائيلي على لبنان سنة 2006, ولكن حجم الحرب وتداعياتها ونتائجها يجعل منها صالحة لمزيد من الأسئلة والإجابات. لماذا وقعت تلك الحرب؟ قد يبدو السؤال عبثياً بعد كل ما قُدم من إجابات، ولكن إجابة إضافية قد تبدو غاية في الأهمية، لا سيما في ظل حملة التشويه المستمرة التي يقودها أفرقاء لبنانيون وإقليميون لتحميل «حزب الله» مسؤولية تلك الحرب.
الأسباب الرئيسة التي جرى تقديمها لتفسير الحرب تعددت، من اعتبارها نتيجة لعملية أسر الجنديين، الى سعي إسرائيل لتعزيز ردعها, الى محاولة القضاء على المقاومة, وصولاً الى تحقيق رؤية المحافظين الجدد حول بناء شرق أوسط جديد. إلا أنه يبقى هناك محدد جوهري يقدم تفسيراً أكثر وضوحاً وشمولاً ودقة لسبب تلك الحرب ويكمن ضمن مفهوم «الحرب «الوقائية», فهل كانت حرب العام 2006 حرباً «وقائية»؟

الحرب الوقائية وانزياحات القوة:

الحرب الوقائية، هي الحرب التي تُخاض «الآن» لتجنب مخاطر حرب «لاحقة» بظل ظروف أسوأ. وهذه الحرب بالنسبة لهانز مورغانثو (أحد أبرز منظري النظرية الواقعية في العلاقات الدولية)، هي وسيلة ضرورية لحفظ التوازن في النظام الدولي أو الإقليمي حتى. من أبرز المتغيرات التي تفسر الحرب، هي التحولات او الانزياحات في القوة النسبية بين الدول، او النمو غير المتكافئ للقوة بين قوة «صاعدة» وقوة «هابطة». وبعكس النظرية التقليدية التي تعتبر أن «توازن القوى» يؤدي الى الاستقرار وتراجع فرضية الحرب, فإن أورغانسكي من خلال «نظرية انتقال القوة» يحاجج بأن الحرب تصبح أكثر تحققاً كلما ارتفعت قوة الجهة الصاعدة (التي لا يرضيها الوضع القائم) لتعادل قوة الجهة المتسيدة على النظام (قوة الستاتيكو). وفي هذه الحالة فإن الفرضية الأكثر شيوعاً هي أن «قوة الستاتيكو» ـ التي تكون في طور الأفول ـ هي من تبادر نحو الحرب ضد «القوة الصاعدة» باعتبارها «الفرصة الأخيرة» لوقف صعودها قبل ان توازنها أو تتجاوزها, أي تسعى للاستفادة من ميزة التفوق قبل انعدامها. (جاك ليفي, القوة المتراجعة والدافع الوقائي في الحرب, 1987).
والحرب الوقائية هي غير الحرب الاستباقية، وعلامة التمييز الأساسية بينهما هي في عامل «الوقت», فالحرب الاستباقية تقع كرد على خطر داهم متحقق ومباشر، فيما الحـرب الوقائــية تهــدف لمواجــهة تهــديد ممكن، مستقبلي وغير متحقق لحظة الحرب. لذلك تُصنف الحرب الأميركية على العراق العام 2003 حرباً «وقائية» لا «استباقية», وما روج له المحافظون الجدد في عهد بوش هي فعلياً «الحــروب الوقائية» ولكن بقناع «الضربات الاستباقية», باعتبار أن الأولى مخالفة للقانــون الدولي, فيــما الثانية يُصنــفها كثــير من فقهاء القانون الدولي كعمل مشروع يندرج ضمن مبدأ الدفاع المشروع عن النفس, بينما يرفض آخرون ذلك معتبرين أن هذه الشرعنة تنطوي على تفسير «موسع جداً» لمبدأ الدفاع عن النفس بما يخرجه عن مقاصده.

تحولات القوة في الشرق الأوسط بعد العام 2000:

منذ نهاية الحرب الباردة في المنطقة كان الصراع والتنافس يتشكل بين محورين, أي أن قوة كل لاعب سياسي لا يمكن أن تقاس بمعزل عن قوة المحور الذي ينتمي إليه, وكل مكسب أو إخفاق لهذا اللاعب يؤثر مباشرة في ميزان القوة بين المحورين. الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان العام 2000، كان مؤشراً أن الواقع الجيو ـ إستراتيجي في المنطقة قد بدأ بالتغير, محور المقاومة انتقل نحو مسار «صعود» فيما بدأ المشروع الأميركي مسار «الأفول».
سنوات ما بعد العام 2000 كرست ذلك بوضوح, الانسحاب الإسرائيلي من غزة, الكارثة الأميركية في العراق وأفغانستان, تضرر شديد في صورة وشرعية ونفوذ الولايات المتحدة في المنطقة (أي قوتها الناعمة), تزعزع وقوة وشرعية النظام الرسمي العربي التابع لواشنطن, فشل سياسات واشنطن في لبنان لعزل «حزب الله» منذ العام 2004 حتى العام 2006, توسع النفوذ الإيراني في العراق, ارتفاع غير مسبوق في القوة الناعمة لـ«حزب الله» ومشروعه المقاوم في المنطقة, انتقال المقاومة الفلسطينية الى تحقيق توازن ردع مع «إسرائيل», تمكن النظام السوري من تجاوز عملية انتقال السلطة بعد رحيل حافظ الأسد بشكل هادئ ومستقر, وصعود الأصوليات الجهادية المعادية لواشنطن.
بعد ثلاث سنوات من غزو العراق كان الأميركيون أمام محاولة ضرورية وأخيرة لعكس مسارات القوة في المنطقة, كان لا بد من تحقيق مكسب إستراتيجي يوازي على الأقل الهزيمة الكبرى في العراق, وحينها يمكن إيقاف صعود «محور المقاومة» وعكس ديناميكيات الأفول الأميركي باتجاه الصعود والهيمنة مجدداً. في تلك اللحظة, لم تكن الولايات المتحدة قادرة على ضرب إيران او سوريا, فيما الضربة للمقاومة الفلسطينية في غزة، حتى مع فرض نجاحها، لن ترقى لدرجة المكسب الإستراتيجي، خاصة ان القطاع كان محاصراً ومعزولاً الى حد بعيد. وقعت العين الأميركية على «حزب الله», إذ أن موقعيته, دوره وحجم مساهمته في قوة المحور المنتمي إليه تؤهله بشكل واضح لأن يكون «حجر الزاوية» الذي من خلال هزيمته عسكرياً يمكن تحقيق «انزياح» جوهري في القوة النسبية بين المحورين.
ويصبح هذا التحليل واقعياً أكثر بعدما تبين أن إسرائيل شنت الحرب بقرار أميركي واضح، دفع بها دفعاً نحو المواجهة في ظل تغطية سياسية وديبلوماسية وإعلامية من الولايات المتحدة والقوى العربية التابعة لها. وقد تبين أيضاً أن الحرب الإسرائيلية كانت مقررة بالأصل في شهر أيلول من العام 2006 عشية إحياء «حزب الله» ليوم القدس العالمي. اعتبر الأميركيون أن عملية أسر الجنديين تشكل غطاءً مناسباً لشرعنة العملية العسكرية, ولذلك تقرر تقديم موعدها. وكان جاك ليفي أشار في دراسته الى أن القوة الساعية لحرب وقائية قد تلجأ لاستفزاز الخصم ليقوم بضربة أولى بهدف شرعنة الحرب الوقائية وعزل المستهدف ديبلوماسياً وتعبئة الجمهور خلف خيار الحرب باعتبار المهاجم معتدى عليه, في حالتنا هذه كانت عملية الأسر ذريعةً وغطاءً مناسباً لحرب أميركا الوقائية بوجه محور المقاومة «الصاعد» متمثلاً بـ«حزب الله».

عوامل إضافية تعزز فرضية الدافع الوقائي:

بحسب دراسة جاك ليفي، يزيد الدافع الوقائي عندما تتوفر العوامل التالية: 1ـ قوة تصور المهاجم (قوة الستاتيكو) حول حتمية الحرب المستقبلية مع القوة الصاعدة, وهذا متوفر في المثال الحالي بسبب عمق العداء الإستراتيجي والأيديولوجي بين المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي ومحور المقاومة. 2 ـ توقع المهاجم بأن القوة الصاعدة ستتجاوزه في ميزان القوة، أي تصور المهاجم حول مدى انزياح القوة العسكرية والإمكانات لمصلحة الطرف الآخر. وهذا التقدير كان واضحاً عند الأميركيين، حيث شهدت تلك الحقبة صعود الانتقادات الأميركية الحادة لسياسات بوش الإقليمية، والتي ذهبت الى أن الهزيمة في العراق كانت اشد من هزيمة فيتنام وبتداعيات أكثر خطورة. 3ـ السرعة النسبية لصعود المتحدي بما لا يدع لقوة الهيمنة مجالاً لبدائل سياسية فيندفع بسرعة نحو الخيار العسكري, هذه السرعة كانت جلية بعد العام 2000 كما أشرنا.
ثم هناك عوامل أخرى مثل, العداء التاريخي (متحقق بقوة في المثال الحالي), التنازع الأيديولوجي (متحقق بقوة أيضاً), التماس الجغرافي (متحقق بقــوة أيضاً), الحسابات الخاطئة (مثلا ممكن مراجعة دراســة م. ماثيو الصادرة عن «معهد دراسة الحروب» التابع للجيش الأميركي تحــت عنــوان «أُخذنا عــلى حــين غــرة: حــرب 2006 بين إسرائيــل وحــزب اللــه» 2008), التأثير السياسي للجهاز العسكري (دور وزارة الدفاع الأميركية في عهد بوش), وميل أصحاب القرار للمخاطرة (أحد ابرز خصائص حـقبة بوش في الحــكم).

في الخلاصة:

التفسير الموضوعي لحرب العام 2006, أنها كانت حرباً وقائية بادر إليها المشروع الأميركي في لحظة هبوط بمواجهة محور المقاومة الصاعد, وكان فشل تلك الحرب إيذاناً بنهاية النظام الإقليمي للشرق الأوسط الذي أقامته واشنطن منذ بداية التسعينيات بما ادى الى فراغات عدة أدت لتراجع حلفائه في لبنان, انهيار النظام الرسمي العربي, وتضرر متزايد للردع الإسرائيلي. بعد الحرب تيقن الأميركيون أنهم بحاجة للتراجع وتقليل الخسائر والبدء بإستراتيجية جديدة ناعمة تكشفت لاحقاً مع وصول اوباما للسلطة، حيث راج مذهب «القيادة من الخلف».
من المفيد الاقتباس عن توماس دونللي (محلل سياسات الأمن والدفاع في معهد «الأميركان إنتربرايز») حيث ختم مقاله الأخير بالقول: «نابليون قال مرة عندما تستيقظ الصين سوف يهتز العالم. أميركا ذاهبة نحو النوم وهذا ما يمكن أن يهز العالم أكثر», كما يحدث في الشرق الأوسط الآن.

ورقة بحثية: تركيا في الشرق الأوسط: بين الطموح وقيود النفوذ




حسام مطر, مجلة شؤون الأوسط, العدد 144, شتاء 2013, ص. 162-172

ملخص الدراسة:
تهتم الورقة بدراسة وتفسير التحولات في السياسة الخارجية لتركية تجاه الشرق الأوسط خلال السنوات الأربع الماضية, ويظهر من خلال الدراسة ان مبدأ "توازن القوى" كان المبدأ الحاكم للتحولات التركية إضافة الى عوامل ذاتية ثانوية مرتبطة بحزب العدالة والتنمية وتعقيدات اللعبة الداخلية. تركيا اليوم مهتمة بأن تكون بوابة إلزامية للمصالح الدولية في الشرق الأوسط, ولكن من باب الشراكة الإستراتيجية مع الناتو الذي يضمن لها جملة تقديمات امنية وسياسية تمكنها من موازنة المحور المقابل. السلوك التركي في الشرق الأوسط تفسره المصالح القومية بالدرجة الأولى فيما تتراجع المحددات الثقافوية الى مرتبة ثانية او حتى إلى "إداة". وفيما كانت تهيمن المحددات الذاتية في بداية التحول التركي نحو الشرق الأوسط إلا انه مع إختبار الحقائق القاسية في الشرق الأوسط أخذت المعطيات البنيوية والموضوعية تحتل أهمية متقدمة في كواليس صنع القرار التركي. 

مقدمة:
عادت تركيا في السنوات الأخيرة لتمارس دوراً حيوياً في الشرق الأوسط بعد أن أدارت له ظهرها لعقود من الزمن. لم يكن من الممكن لهذه "الإستدارة" أن تكون هادئة لما من تركيا من وزن إستراتيجي في ميزان قوى المنطقة الذي يحفل بدوره بالإشكاليات والصراعات والإضطرابات. وبعد سلسلة تحولات بدأت السياسة الخارجية تستقر نسبياً على منهج محدد, وهو ما يمكن أن يسهم في فهم أسباب "الإستدارة" الشرق أوسطية بالأصل ثم التحولات التي تلتها ووصولاً الى محاولة إستبيان مآلاتها المستقبلية.
تهتم الورقة بالسؤال عن أثر الدور التركي على التوازن الإستراتيجي في المنطقة؟ وهو تساؤل يستبطن جملة من التساؤلات الثانوية, لماذا "الإستدارة" نحو الشرق الأوسط؟ ما سر التوقيت؟ كيف ترى دورها في بيئة عنفية متشظية معقدة كالشرق الأوسط؟هل ترى اللعبة الإقليمية بإعتبارها لعبة صفرية؟ موقفها من صراع المحاور؟ هل تسعى تركية لخلق قواعد لعبة جديدة او انها تلعب وفقاً للقواعد المستقرة في المنطقة؟

محاور الورقة:
أولاً: مرحلة "صفر نزاعات" الرومنسية
ثانياً: التحول الثاني في ظل تحدي التحولات العربي
ثالثاً: هاجس تركيا الإقليمي: التنافس السني- السني
رابعاً: بين تركيا وإيران "الطلاق حرام"
خامساً: المأزق التركي في الأزمة السورية
سادساً: تركيا والغرب "التكيف المتبادل"

الخاتمة:
كما توقعت نظرية الواقعية الجديدة عاد توازن القوى ليحكم السياسات الشرق أوسطية, فظهور الدور التركي في الشرق الأوسط من حيث طبيعته وتوقيته ومراحله كان مرتبطاً بتراجع المشروع الصهوني- الأميركي في المنطقة لا سيما بعد حرب تموز 2006 والإنسحاب من العراق 2009. شكلت سنوات بوش كارثة إستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة حيث تمكن محور الممانعة والمقاومة من تحقيق تقدم عميق وقلب بنية القوة في الشرق الاوسط, في تلك اللحظة كانت الحاجة للاعب جديد ليعيد التوازن الى اللعبة, فكانت تركيا.
بعد الإنسحاب الأميركي من العراق, أصبحت بوابتي تركيا نحو العالم العربي اي سوريا والعراق تحت الـتأثير الإيراني المباشر, وهو ما إعتبره الأتراك وضعاً غير مقبول, وهذا أحد مبررات السياسة التركية تجاه الأزمة السورية. في الوقت الذي يسعى الغرب لعزل إيران يقوم بإتاحة المجال للدور التركي للتمدد في أي فراغ مستجد و "تلزيمه" رعاية التحول السياسي في المنطقة, هنا يظهر التحفز التركي نحو علاقات عميقة مع التيارات الإسلامية التي وصلت للسلطة للتأثير على بناء "الأنظمة الجديدة" منذ بداية تكونها. تحاول تركية بناء قدرات وبرامج وإستثمار موارد ظخمة في سبيل هذه الغاية من خلال مشاريع تنموية, برامج تبادل, زيارات رسمية عالية المستوى, والأبرز وضع أسس لشراكات إستراتيجية مع الدول العربية كما حصل مع تونس في كانون الأول\2012, حيث صرح أردوغان في حفل التوقيع بأننا " سنواصل الوقوف إلى جانبهم. ونعتبر إنجازات تونس إنجازاتنا. وسندعم التحول الديمقراطي والجهود التي تبذل لتحقيق التطور الديمقراطي في تونس". ( مجلس تعاون إستراتيجي تركي- تونسي, موقع قناة الميادين, 26\12\2012)
في المجمل تراهن أنقرة على قوتها الناعمة – وليس العسكرية - بشكل أساسي بهدف التمدد والنفوذ في المنطقة, وتسعى في سبيل ذلك الى إستعمال الخطاب الإسلامي بشكل كثيف, وهو خطاب ينحو تدريجياً نحو المذهبية. ففي الوضع السوري تطغى الخطابة والعروض السياسية والدبلوماسية التركية إلا أن ذلك رغم محدوديته في التأثير على مجريات الأزمة السورية فأنه يؤمن لأنقرة مزيداً من المعجبين والأنصار في العالمين العربي والإسلامي. وتنبع أهمية ذلك من أن الصراع على الشرعية بين القوى الإقليمية في أشد لحظاته, بسبب أن الرأي العام العربي أصبح أكثر إنكشافاً للتأثيرات الخارجية. إن الدور التركي المستجد لم يتحرك خارج الإرادة الإميركية بل كان من تأثيرات إقرار واشنطن بتراجع نفوذها الإقليمي وضمور القوة الإسرائيلية بما يحتم إقامة توازن " إسلامي سني" بوجه طهران.
على الأرجح أن لا يطول الوقت قبل أن نشهد التحول الثالث للسياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية بعد أن تكتمل مرحلة النضج, حيث لا بد من القبول بالحد الإقصى الممكن من النفوذ والمكاسب ليبدأ السعي نحو تكريس ذلك الستاتيسكو من خلال جملة خطوات تراجعية وتسويات إقليمية تعترف فيها حكومة اردوغان بحدود المثل وحقائق توازنات القوة من دون ان يعني ذلك خروج تركيا من المعادلة الإقليمية ولكنها ستصبح أكثر تواضعاً وتعقلاً وإلا سيدرك الأتراك حينها كيف أن الشرق الأوسط كائن يهوى تحطيم "الرؤوس الكبيرة".

حزب الله في سوريا: صهر "المنظومة الشمالية"

نشر في صحيفة الأخبار, العدد 2020, 4 حزيران 2013

الدخول في تفاصيل السياسة من دون ملاحظة السياقات البنيوية للأحداث، يؤدي إلى كثير من التضليل واللغط والضبابية، بحيث تبدو الحجج المتناقضة مقبولة أو فيها وجهة نظر. أغلب من يناقشون وينتقدون حزب الله يستخدمون هذا المنهج، تجميع للنقاط السوداء المتناثرة في خطاب وممارسات وسياسات الحزب وتكرارها وترديدها بكثافة لإنتاج معنى محدد لهوية الحزب ومشروعه وسياساته. من الصعب جداً فهم السياسات ذات البعد الإقليمي وحتى الوطني في الشرق الأوسط، من دون وضعها ضمن إطار الصراع المحتدم منذ نهاية الحرب الباردة، بين المحور الذي تقوده طهران، وذاك الذي تقوده الولايات المتحدة.

في أيار 2000 وجه حزب الله ضربة «تاريخية» إلى المحور المقابل، نتج عنها كشف محدودية القوة العسكرية الإسرائيلية، تضاؤل نفوذ واشنطن والأهم تعرية النظام العربي الرسمي على نحو كامل. ما حصل في 2006 كان محاولة أميركية لوقف صعود محور المقاومة في البيئة الإقليمية، كان ضربة «استباقية» من محور «الستاتيكو» إلى محور «صاعد» قبل اكتمال صعوده وإنهاء حالة الهيمنة. أنهى فشل عدوان 2006 النظام الإقليمي في الشرق الاوسط، الذي تربعت عليه واشنطن فأصبحت بحاجة إلى تحقيق توازن قوى إقليمي من دون دور مباشر لها في المنطقة، مما استدعى منها تغييراً شاملاً في اللعبة الإقليمية، لاعبين جدداً (تركيا وقطر)، أدوات جديدة (أدوات القوة الناعم) وخلق إطار صراعي جديد (المواجهة المذهبية).

حين انطلقت الأحداث في سوريا، سارع المحور الأميركي المتعطش لتعويض الخسارة «الطازجة» في العراق إلى استغلال المطالب المشروعة للمعارضة وأخطاء وخطايا النظام، وتمكن من وضع سوريا تحت مأساة الحرب الأهلية. أغلب قادة المعارضة السورية اندمجوا بالكامل مع المحور الأميركي، آخرون منهم اتخذوا «التكفيرية» منهجاً، وأصبحت الأزمة السورية في صلب توازن القوى الإقليمي، وخرجت من سياقاتها الداخلية. حينها لم يعد من الممكن لحزب الله وحلفائه أن يكتفوا بخطاب الدعوة إلى الحل السياسي والحوار ومحاولة فتح خطوط مع المعارضة، كل ذلك انتهى لأن المحور الأميركي بقدراته المالية والسياسة والإعلامية المذهلة تمكن من جر المعارضين إلى لعبته الإقليمية.

بعد سنتين من أكثر الأزمات «الداخلية» تدويلاً في التاريخ السياسي لما بعد الحرب الباردة، قرر حزب الله أخيراً بدء التدخل الميداني في سوريا حين أصبحت صورة الصراع «إقليمية» بالكامل. حزب الله لا يتدخل ضد الشعب السوري، فالشعب السوري منقسم، ولا يتدخل ضد الأبرياء والآمنين، بل يواجه هجيناً من التكفيريين والمرتزقة والمغرر بهم، الذين انقلبوا الى خنجر في قلب محور المقاومة، ورمح في خاصرة حزب الله. فعلياً وقبل أن يتدخل حزب الله في الأزمة السورية كان الحزب قد خسر كل ما يمكن أن يخسره، ولا سيما في ما يخص صورته أمام جزء من الرأي العام السوري والعربي، الذي اقتنع بتدخل الحزب منذ الأشهر الأولى، وجرى التصويب عليه من زاوية مذهبية «كحليف لنظام علوي خدمة لمصالح إيران الإقليمية»، كما تردد المنظومة الإعلامية المقابلة. إذاً بعدما جرى زجّ الحزب في الفتنة، وتشويه صورته، والتشويش على ماضيه، والتلاعب بهويته، وإضعاف حليفه العربي الأهم، ماذا يمكن أن يخسر حزب الله بعد أكثر من ذلك؟ حينها لم يعد بإمكان الحزب إلا التدخل، لأن النتائج السلبية المفترضة للتدخل سبق أن تحققت، وبناءً عليه أصبح التدخل ضرورياً من باب تقليص الخسائر وبناء مسار جديد يتيح التعويض عن بعض الأضرار المتحققة. لقد قدمت المعارضة السورية كل الممارسات والحجج والمسوغات لتدخل الحزب في سوريا، وحاولت «حشره في الزاوية»، لا لشيء بل فقط لخدمة الممول والمشغل، ولما أخرج الحزب «مخالبه» علا الصراخ والعويل والاستعطاف.

حسب ما أعلن السيد نصر الله فإن دور حزب الله في القصير هو دفاعي اولاً، وهو سيؤدي تلقائياً الى قطع الشريان اللبناني لضخ السلاح والمقاتلين الى المعارضين في سوريا. تدخل الحزب بهذه الحدود هدفه العام هو تثبيت توازن قوى في محاولة لدفع التسوية السياسية عبر إقناع المعارضين بأن العنف اصبح عبثياً، وهذا هو النصر المقصود بكلام السيد نصرالله، إذ إن الحزب يعي أنه لا إمكان لحسم عسكري شامل في سوريا، ويدرك الحزب ايضاً محدودية قوته في الأزمة السورية، لذا سيبقى تدخله محدوداً، موضعياً، مقنناً، ومُرشداً الى أقصى الحدود. بهذا المعنى يكون الحزب قد حدد هدفاً « قابلاً للتحقق» لدوره في سوريا. فهو لا يتحدث بلغة سحق المعارضة او حسم الصراع أو القضاء على التكفيريين، بل يتعامل مع نقاط محددة بدقة، وهذا مقتضى النباهة السياسية، وجزء من الحكمة في إدارة المعركة.

إن المقاومة وبيئتها تخوضان المعركة في القصير بكثير من الغصة والأسى رغم العزيمة والثقة بأنها معركة مفروضة لا مفر منها. يفضّل هؤلاء أن يقاتلوا العدو الأصيل كما فعلوا أبداً. يفضل هؤلاء عدواً يليق بهم. يفضّل هؤلاء أن يستشهدوا بيد الإسرائيلي، لكن لم يُترك لهؤلاء الخيار، أتاهم العدو متمترساً بأبناء جلدتهم كما فعلت دوماً كل قوى الاستكبار. أكثر من سنتين على الأزمة في سوريا، يحق فيها للمحور الأميركي أن يزج بكل ما يملك من مقدرات وأدوات قذرة في هذه الحرب خدمة لحسابات إقليمية تتصل مباشرة بالمقاومة، لكن حين يتدخل حزب الله أخيراً ببضع مئات من مقاتليه في منطقة حدودية مع سوريا يصبح هو المعتدي والمفتري والعبثي والمذهبي، لا غوغائية وتضليل بعد ذلك. من الآخر، في أيار 2013 نُعاقب على فعلتنا في أيار 2000، والفطنة أن لا نتجاهل ذلك، فحماية النصر أوجب من النصر ذاته.

لأصحاب العقول المذهبية «الحامية» في العالم العربي والإسلامي، صلاح الدين الأيوبي قتل ألوفاً مؤلفة من مسلمين وعرب بحجة تعاونهم مع الصليبيين، ولم يعترف بحدود «الولايات» حينها، ورغم ذلك يبقى صلاح الدين «الأسطورة التاريخية» لكثيرين منكم. أما جمال عبد الناصر، فتدخل في الصراع الأهلي اليمني بعد 1962 في سياق مواجهته الإقليمية مع السعودية والبريطانيين (أي المشروع الاستعماري – الصهوني)، ولم يكترث للحدود الوطنية، وأرسل سبعين ألف جندي مصري للقتال في اليمن، فهل يمكن القول إنّ عبد الناصر فعل ذلك بدواعٍ مذهبي؟ أو أنه قاتل الأطفال والنساء والمسلمين؟ ألا يرى كثيرون ممن يهاجمون السيد نصر الله اليوم أن عبد الناصر كان رمزاً تاريخياً مدافعاً عن فلسطين والعروبة (وهو كذلك بلا شك)، كما يرون ذلك أيضاً في صلاح الدين الأيوبي. وحتى حركة حماس «السنية» دخلت في مواجهة عسكرية بوجه فتح «السنية» وقتلت منها العشرات بحجة حماية المقاومة. لا يمكن أن ننكر أن أي حركة مقاومة بوجه إسرائيل ستضطر محقة في لحظة ما (وليس دائماً) إلى تحويل سلاحها بوجه قوى من أبناء جدلتها، وإلى تجاوز مفاهيم السيادة الوطنية وحدود سايس – بيكو، لأن المشروع الأميركي الصهيوني متشعب ومتشابك ومتداخل وليس يتيماً في المنطقة.

أما اليوم، أن يقول السيد نصر الله وبأدلة مفصلة ورؤية واضحة أن بضع مئات من حزبه يقاتلون داخل سوريا في منطقة ملاصقة للحدود اللبنانية بهدف حماية المقاومة ممن باع نفسه للمشروع الأميركي عن عمد أو غباوة، فيصبح هو عدو الأمة بعد 30 عاماً من أسطورته ومعجزته المستمرة في مقاومة إسرائيل ؟! عام 2007 دعا الكاتب الإسرائيلي داني بركوفيتش في كتابه «هل يمكن قطع رؤوس الهيدرا؟ معركة إضعاف حزب الله» إلى فكرة «شق المنظومة الشمالية»، أي لبنان وحزب الله وسوريا، وهو ما يجري السعي إليه منذ سنتين. فهل من المتوقع إلا أن يرد حزب الله بصهر هذه المنظومة أكثر؟ يمكنكم أن تعترضوا وتنتقدوا وترفضوا موقف الحزب من الأزمة السورية، وتدخله فيها، لكن لا أحد يملك في هذا الشرق المخزون الأخلاقي والتاريخي الكافي لأن يربط ذلك باتهامات مذهبية أو أخلاقية للحزب وسيده، قليل من الخجل أيها السادة.

حسام مطر \ باحث ومحلل سياسي

نهاية نظام اليهمنة الأميركية في الشرق الأوسط


مقال نشر في موقع العهد الإخباري, بتاريخ 14\5\2103

حسام مطر
لم يقل وزير الحرب الأميركي تشاك هيغل جديداً عندما صرح منذ أيام أمام "معهد واشنطن" بأن "النظام القديم في الشرق الاوسط يزول وما سيحل محله ما زال مجهولا"، بل الأصح أنه زال وانتهى الى غير رجعة، ولكن البديل نعم ما زال مجهولاً الى حد ما. منذ نهاية الحرب الباردة تمكنت واشنطن من أن تكون قوة هيمنة أحادية في الشرق الأوسط ولم يبدأ ذلك بالتغير الا مع نهاية التسعينيات. لقد نجحت الولايات المتحدة في تحييد مصر والعراق من بنية القوة في المنطقة فيما رسخت تحالفها مع تركيا و"اسرائيل"، الا أن العقبة العصية أمام استمرار هذه الهيمنة كانت الدور الايراني الذي رعى وأدار حلفاً متعدد الطبقات والمهام ومتداخلاً بشكل استراتيجي امتد من سوريا الى لبنان وفلسطين المحتلة مع عمق شعبي يطال مجمل المنطقة العربية.

توافق هيلاري ليفيرت (من معهد جاكسون ) على هذه الخلاصة،حيث رأت بأن سنوات ما بعد 1990 أتاحت للولايات المتحدة بناء "هيمنة في الشرق الأوسط، أي نظام اقليمي امني، سياسي، وشديد العسكرة تقوده الولايات المتحدة، واليوم هذا النظام يختفي أمام أعيننا.... في ظل تغير دراماتيكي في ميزان القوى الاقليمي بعيداً عن الولايات المتحدة لمصلحة ايران وحلفائها".

أدرك الأميركيون بداية هذا التحول في ميزان القوى منذ العام 2000، مع الانسحابات الاسرائيلية من لبنان وغزة ولاحقاً هزيمتي العراق وأفغانستان، ولكن ادارة بوش اعتقدت أنها قادرة على عكس عقارب الساعة من خلال توجيه ضربة استباقية الى المحور الصاعد أي محور المقاومة. في العلاقات الدولية توجد نظرية بخصوص صعود وهبوط قوى الهيمنة وهي تفسر الحرب بين القوى الكبرى كنتيجة لتوازن القوى حينها تبادر القوة المهيمنة الى توجيه "ضربة استباقية" الى القوة "الصاعدة" التي تهدد موقع القوة المهيمنة على رأس النظام الدولي أو الاقليمي، مثلاً يوجد اليوم بعض المتطرفين الأميركيين (أمثال جون بولتون) ممن يدعون لضربة أميركية استباقية للصين الصاعدة. وعليه كانت حرب 2006 هي ضربة "استباقية" أميركية لمحور المقاومة في محاولة أخيرة لاعادة تمكين الهيمنة الأميركية على الشرق الأوسط ووقف صعود محور المقاومة.

كان فشل عدوان تموز بمثابة اعلان عن بداية سقوط النظام الاقليمي القديم في الشرق الأوسط وبدء النظام الاقليمي الجديد الذي ستتراجع فيه هيمنة الولايات المتحدة في الاقليم. هذا الفراغ الأميركي كان ضرورياً لاسقاط النظام العربي الرسمي التابع لها، وكذلك اتاح لروسيا والصين اعادة تعريف مصالحهما القومية في المنطقة بشكل أكثر عمقاً وجرأة. نظرياً، يؤدي سقوط قوة الهيمنة الأحادية الى فترة من الفوضى والاضطراب نتيجة اختلال النظام الذي كانت ترعاه تلك القوة بالاضافة الى التنافس لاشغال الفراغ، وهذا بالضبط ما يحصل في الشرق الأوسط حالياً. وهو ما استجابت له واشنطن بمرونة من خلال الدفع بتركيا وقطر الى المشهد الاقليمي لملء الفراغ والعمل كواجهة للمشروع الأميركي. هدف واشنطن من ذلك هو بناء توازن قوى اقليمي من دون أن تكون بحاجة للتورط مباشرة في المنطقة، وهذا التوازن لا يمكن أن يكتمل الا من خلال اسقاط سوريا في يد المحور الأميركي، وهذا ما يفسر جزئياً حدة المواجهة الاقليمية ـ الدولية في سوريا.

تشاك هيغل : النظام القديم في الشرق الاوسط سيزول
تشاك هيغل : النظام القديم في الشرق الاوسط سيزول 

تمكنت ايران وحلفاؤها من تحقيق انجاز تاريخي في زعزعة نظام الهيمنة الأميركية ـ الاسرائيلية في الشرق الأوسط، ولكن الخصم عنيد، ومرن وموارده هائلة، ويحاول ترميم ما خسره، لذا التحدي الجديد لهذه القوى وشعوب المنطقة يكمن في ايجاد بنية اقليمية يبقى فيها الأميركي والاسرائيلي عاجزَين عن فرض أجندتهما السياسية مع فتح أفق لخلق وتمتين التعاون الاقليمي على مستوى المنطقة. لكن هذه العملية بحاجة لمسار طويل، لا بد من الاستمرار في استنزاف واضعاف الولايات المتحدة لأن هذا سيدفع حلفاء واشنطن في المنطقة نحو امكانية البدء بتعزيز التعاون الاقليمي من خلال اطر مؤسساتية متدرجة لتعزيز التواصل الاقليمي وبناء تفاهمات سياسية وأدوات تنسيق وتشاور وآليات لحل الخلافات وصولاً الى شراكات استراتيجية ومنها الى تكامل اقتصادي، سياسي، وأمني.

وفي ظل هذه الفوضى ترتسم صورة الشرق الأوسط على شكل خرائط العصور الوسطى (حسب تعبير روبرت كابلان) حيث لم تعد الحدود السياسية قائمة الا بقدر الضرورة، فيصبح النفوذ السياسي عابراً للحدود الوطنية بشكل ضبابي، متداخلا ومعقدا، ولا سيما أن الغالبية العظمى من دول المنطقة هي دول ضعيفة وفاشلة والحكومات المركزية مشلولة بالكامل. في هذه المرحلة ترتسم صورة النظام الاقليمي الجديد بتوازنات وقواعد جديدة، ستتزايد أهمية القوى الاقليمية بالتحديد ايران وتركيا، سيصبح دور القوى الدولية في الشرق الأوسط أكثر بروزاً، دور أكثر حضوراً للجماهير والقوى غير الدولية، وصعود للهويات والحساسيات التاريخية. لا يبدو أي من المحورين معنيا بحرب اقليمية كبرى. المحوران يتصارعان ولكن بعض قواعد اللعبة المتفق عليها ضمنياً تؤدي دور صمامات الأمان.

هي لحظة تأسيسية في تاريخ المنطقة، كل خطأ يمكن أن يتحول الى خطأ قاتل، وعلى صانعي القرار محاولة التركيز على فكرة "المصالح المشتركة" لأبناء المنطقة بدل الغوص في الحساسيات الثقافية. كل موقف اليوم يجب أن يستند على حسابات بعيدة الأمد من دون الوقوع ضحية الخوف من اللحظة الراهنة. محور المقاومة أنجز ما لم يكن بالحسبان، لكن الأمور بخواتيمها، هي فرصة تاريخية تستحق كل التضحيات وتحتاج لكثير من الوعي والرؤية. فرصة تكوين شرق أوسط خارج الهيمنة الأميركية وقابل للتطور لما فيه خير شعوبه في الحرية والكرامة والعدالة.

باحث ومحلل سياسي

إخوان مصر في الرمال المتحركة

مقال منشور في صحيفة السفير, العدد 12473, 9\5\2013

حسام مطر


لا يسع المرء إلا أن يبدي العجب من تجربة «الإخوان المسلمين» المأساوية خلال السنتين الماضيتين. توقعنا أمراً أكثر نضجاً إما من خلفية التمني أو حسن الظن، أو ربما هرباً من هاجس التجني. كان واقعيا الاعتقاد بأن الجماعة تعلمت من النظام السابق، من تجارب ثورية وإسلامية سابقة. كان طبيعيا الافتراض أن الجماعة قرأت تحولات الظروف الإقليمية والدولية، تحولات السلطة والقوة، تحولات وسائل التعبئة والإكراه والشرعية وتحولات دور الرأي العام والإعلام. إلا أن الجماعة آثرت التغاضي عن ذلك كله والتركيز على صلاتي الفجر والجمعة للرئيس مرسي في مساجد الأحياء الشعبية.


أخطأت الجماعة عندما اعتبرت أن واشنطن جاهزة للقيام معها بصفقة طويلة الأمد تحصنها من التحديات الداخلية على غرار فترة مبارك. فات «الإخوان» ان واشنطن لا تثق بالإسلاميين إلا بقدر ما يمكن استغلالهم مقابل خصومها، وأن واشنطن متأثرة بالقلق الإسرائيلي من صعود الإسلاميين، وأن واشنطن تدرك أن الجماهير في المنطقة أصبحت معبأة وطليقة، ولا يمكن لها معاداتها بالشكل الفظ كما في السابق. فات الجماعة أن واشنطن غير قادرة او راغبة بمنحها صمامات أمان اقتصادية من دون اعباء سيادية، وغاب عنها أن واشنطن تُفضل في ظل غياب حليف أو وكيل مصري موثوق، أن تقوم سياستها على إدارة توازن هش بين أقطاب اللعبة الداخلية، أي بين العسكر والإسلاميين والليبراليين والناصريين وبقايا النظام البائد. هذه القيود على دور واشنطن في مصر تحدث عنها أيضاً توماس فريدمان، قبل أن يدعو مرسي الى العفو عن رجال النظام السابق من غير المدانين بالقتل، لأن مصر بحاجة لرؤوس اموالهم وكذلك للاستثمارات الأجنبية، بحسب قوله.

سعي «الإخوان» للاستئثار بالسلطة في دولة ضعيفة، عاجزة، كمصر في لحظة اضطراب شاملة كان الإثم الذي لا يغتفر، ولم يعد مهما دوافع ذلك السعي، هل هي التعطش للسلطة؟ الفهم الديني؟ الخوف والحاجة للإحساس بالأمن؟ التمكين؟ أخطاء شركاء الثورة، أم مجرد سوء تقدير؟ إن دولة كمصر في لحظة انتقالية كانت بحاجة لسلطة قائمة على توافقات وطنية واسعة للقوى المناوئة للنظام البائد، وإذ ينتهي الحال بانقسام قوى الثورة بوجه «الإخوان» ومسارعة الطرفين لاستقطاب بقايا النظام القديم لتعديل توازن القوى. وحتى ان السلفيين الذين راهن عليهم «الإخوان»، غادروهم في منتصف الطريق، وهو سلوك متوقع لو فكر الإخوان بطريقة «غير نفقية».
لا تبدو تجربة «الإخوان» مع السلطة فريدة، مثلا يحاجج كل من توماس كاروثرس، ناثان براون، بوجود ميل عام للقوى السلطوية ـ حتى الثورية - بالتفرد والهيمنة حيث تصبح الثورة أداة لشرعية التمدد السلطوي. يتخوف الكاتبان من ان القوة الوازنة لـ«الإخوان» وتشتت القوى المناوئة لهم سيشجعهم على محاولة الهيمنة على مفاصل السلطة ولكن ليس بسبب الإيديولوجية «غير الليبرالية» لهم. يستند الكاتبان الى حالتين تظهران هذا الميل، تجربة المجلس الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا وتجربة حزب العدالة والتنمية التركي. المشكلة هي دائماً في الميل للتوسع السياسي والتكبر اللذين تشترك فيهما القوى السياسية المهيمنة، لا في المشارب الإيديولوجية او الدينية.

حان الوقت ليدرك «الإخوان» أن أكثر ما يمكن لواشنطن فعله هو تقديم جرعات متفاوتة من الدعم، مقسطة، زهيدة، غير مباشرة، ومحدودة الأثر مقابل التزامات إخوانية واضحة، مستمرة، وجوهرية في «تلزيم» الاقتصاد المصري لقوى الاقتصاد النيوليبرالية، وفي ضمان الأمن الإسرائيلي، وفي تقييد النفوذ الإيراني. أي بالمختصر، سياسة العصا والجزرة بأبشع صورها وأكثرها امتهاناً. الأهم أنه كلما توسعت القاعدة السياسية التي يستند إليها «الإخوان» في الداخل، انحصرت حاجتهم للتبعية والالتحاق بالخارج والعكس الصحيح. لا زالت الفرصة سانحة أمام الإخوان للتراجع وإعادة بناء مسارات جديدة، الشراكة مع جبهة الإنقاذ ملحة وبعض التنازلات ضرورية في سبيل بناء شبكة أمان داخلية وإلا سيستمر «الإخوان المسلمون» بالتخبط في رمال مصر المتحركة التي لا تنفع معها حبال النجاة «القصيرة» التي يرميها الأميركيون او حلفاؤهم الإقليميون.

تعليق سياسي 9 - خطوط حمر متبادلة حول دمشق: هل ستقع الحرب؟

(التعليق خاصة بالمدونة ويرجى ذكر ذلك عند إعادة النشر)

حسام مطر

 

الحراك الشعبي السوري الذي بدأ في آذار 2011 سرعان ما تمت مصادرته من الولايات المتحدة وحلفائها, حتى وصل الحال أن أصبحت الأزمة في سوريا في جوهر توازن القوى الإقليمي. الأميركيون والصهاينة والخليجيون المثكولون بهزائم العراق ولبنان وغزة وجدوا في الحدث السوري قشة خلاص, لذا كانت كلما تقدمت الأزمة السورية كانت تبتعد عن مبرراتها الداخلية نحو صراع المحاور الإقليمية, وبناء عليه تطور موقف حزب الله وإيران بشكل تدريجي الى حد التصريح الأبرز لأمين عام حزب الله في خطابه الأخير : إن لسوريا أصدقاء في العالم والمنطقة لن يسمحوا لها أن تسقط بيد واشنطن وتل أبيب. 

 

بعد ساعات من رسم الأمين العام لحزب الله خطاً أحمر في الشأن السوري, سارع المحور المقابل الى تكليف إسرائيل برسم خط أحمر مقابل, وومفاده عدم سماح واشنطن وتل أبيب بسقوط المعارضة ميدانياً أو تلقيها خسائر إستراتيجية. لم تكن الحملة السياسية والإعلامية خلال الأسبوع الفائت بشأن السلاح الكيميائي السوري إلا تمهيداً لغارة الأمس. منذ بداية الأحداث تمت توسعة نطاق الصراع عند كل فشل للمعارضة السورية , فبعد التسليح, تم الإنتقال لفتح الحدود اللبنانية ثم التركية  ثم العراقية وأخيراً الأردنية بموازة التدرج الغربي والعربي في الخطوات السياسية لعزل النظام. أمام كل ذلك كان المحور المقابل يقوم بالإستجابة المتدرجة أيضا, سفن روسية وإيرانية على الشواطىء السورية, دعم لوجيستي وتقني روسي _ إيراني متزايد, موقف سياسي متقدم وأكثر جرأة لحلفاء دمشق, ظهور دور حزب الله في القصير وحي السيدة زينب, وهذه الأخيرة أتاحت انتصارات هامة لصالح الجيش السوري في القصير وريف دمشق وبدا أن "معركة دمشق"  التي لطالما جرى الترويج لها أصبحت من الماضي.

 

هنا لم يكن بإمكان الأميركي والإسرائيلي ترك الأمور فقط للتركي والخليجي بعد عامين من الفشل , كان لا بد من دور مباشر في محاولة لإعادة التوازن الى الصراع. هل يؤدي التدخل الإسرائيلي المباشر الى نشوب حرب؟ هل هذه الحرب من ضرورات التسوية السورية؟ الأميركيون والروس ليسوا معنيين بنشوب معركة إقليمية, الصهاينة وإيران كذلك وإن بدرجة أقل, ولكن في المقابل كلا المحورين ليس في وارد القبول بهزيمة في سوريا, لذا على الأرجح أن تتزايد الإحتكاكات المباشرة ولكن بظل حسابات دقيقة قدر المستطاع. من يعتقد بإمكانية الإستفراد بسوريا وحزب الله يتجاهل الإمكانات المذهلة الكامنة في طهران, والمفاجآت المعقولة من غزة والعراق, الأميركيون والصهاينة يعون ذلك على ما يبدو. 

 

ما أنتجته الضربة الإسرائيلية أنها كشفت بشكل واضح كعين الشمس حقيقة ما وصل إليه الصراع في سوريا, حقيقة الدور المطلوب من المعارضة السورية المسلحة, حقيقة الإنقسام السياسي وليس المذهبي في سوريا. ستتيح الضربة هامش اوسع لدور حزب الله وإيران لأن سردية الخلفيات المذهبية تتراجع أمام التدخل الإسرائيلي ويصبح الرأي العام العربي والإسلامي أكثر أدراكاً لما كان يكرره حزب الله منذ أشهر طويلة حول الأزمة السورية ودور الخارج في مصادرة حراك شريحة من السوريين بفعل بعض قيادات المعارضة المغفلة او التابعة. الرد على الغارة الإسرائيلية ليس قراره في دمشق فقط, بل في طهران بداية ثم في موسكو, فهل يتم تجاهل الغارة مقابل تعزيز الجهد الميداني في الداخل؟ أم تجري محاولة لوضع خط أحمر أمام الدور الإسرائيلي برد موضعي؟ الرد على الغارة يبدو ملحاً لعل فيه الصدمة التي تفتح المسار نحو التسوية السورية وربما تفتح أيضاً بعض البصائر والقلوب العربية وتخرجها من رومنسيتها الثورية الساذجة. في الجوهر لم تكن الغارة الإسرائيلية على دمشق بل على "لن يسمحوا" التي أعلنها السيد نصر الله, هكذا تتجلى الصورة الحقيقية للصراع, فانظروا أين أنتم منه.

تعليق سياسي 8 : الولايات المتحدة وخدعة ثيران هنيبعل



(التعليق خاص بالمدونة يرجى ذكر ذلك عند إعادة النشر) 
يروى أن القائد التاريخي هنيبعل وأثناء زحفه نحو روما تمت محاصرته في أحد الأودية وأحاط به الرومان من كل صوب, وللحظات إعتقد من معه أنها النهاية, ولكنه كان محنكاً وصاحب باع في الحرب وفنونها. في إحدى ليالي الحصار طلب من الجند تجميع ما في المعسكر من ثيران وربط على قرونها مشاعل وأضاءها وقام بعض الجند بسوقها الى إحد التلال فظن الرومان أن المشاعل "المتحركة" هي جيش هنيبعل فإتجهت كل القوة االرومانية الى النقطة التي دُفعت إليها الثيران وعند وصولهم فجراً الى النقطة إكتشفوا الخدعة وشاهدوا آخر جنود هنيبعل يغادر الوادي من ثغرة أخرى. 

بعد ما جرى في العراق ولبنان وفلسطين ما بين 2001- 2009  كان موقف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط شبيه الى حد كبير بحال هنيبعل, كانت في واد محاصرة بإنجازات تاريخية لمحور المقاومة, ولم تكن بدائلها السياسية المتاحة حينها واسعة بل محدودة الى حد بعيد. للمفارقة إستخدمت واشنطن خدعة شبيهة بخدعة هنيبعل, إذ سارعت واشنطن الى إستدعاء تركيا الى دور جديد في الشرق الأوسط, وطلبت من السعودين والقطريين الإنخراط المباشر والفاعل في قضايا المنطقة . ومن خلال هذه القوى الثلاث سعت واشنطن للتحكم بالرأي العام العربي ولا سيما التيار الإسلامي الذي كان في لحظة صعود بفعل إهتزاز الأنظمة الحليفة لواشنطن في اكثر من ساحة لا سيما في مصر. ففي الوقت الذي كان يظن محور المقاومة أن تركيا إنقلبت بإتجاه مصالحه وأن صعود الإخوان المسلمين سيكون أيضا في صالحه, تبين عند إنشقاق " الفجر" أن هذه القوى لم تكن إلا "ثيران" واشنطن في الليلة الحالكة .
 
ولكن ماذا كانت المشاعل؟ حاولت تركيا أن تحدثنا عن فلسطين, عن المقاومة, عن سفينة مرمرة, عن "غضبة" دافوس, عن جهودها في الملف النووي الإيراني, وعن تقربها من النظام السوري. أما الإسلاميون فكانت وعودهم على شاكلة "على القدس رايحين شهداء بالملايين", عن توقهم للحريات والتعددية والتمرد على الهيمنة الأميركية والإستقلال السياسي والتحالف مع إيران والمقاومة. المرحلة الحالية في الشرق الاوسط هي "للواجهات الوطنية" اي النخبة الفاسدة بالمرتبطة بقوى الهيمنة الغربية.

 كشأن كل الاقاليم النامية في العالم أو الأطراف, يتحكم المركز "الرأسمالي المعولم" بمنطقتنا من خلال دمج إقتصادياتها بشكل مشوه في الاقتصاد الدولي ومن خلال نخب فاسدة تابعة وعميلة . لكن هذه النخب تتمتع بمصادر شرعية وقوة مختلفة من الدين والمال والتحالفات والإعلام, وتقوم على خدمة الهيمنة الأميركية, فما الحل؟ عنف ثوري؟ ولكن إشكاليته ان سيأخذ طابع نزاع وحروب اهلية او مذهبية. ام مواجهة القوة الاميركية - الإسرائيلية مباشرة؟ هذا حصل في لبنان والعراق وفلسطين , وحقق نجاحات باهرة, ولكن اليوم أعادت واشنطن الدور "للواجهات الوطنية" ولحلفائها الإقليميين؟ فما الحل؟ البعض سيجيب بأن الحل في "ثورات شعبية جذرية الهدف", أو في "نقل معركة الإنقسامات الثقافية والإجتماعية الى الغرب لتفتيت وحدته", او في "بناء دولة عربية مستقلة متكاملة مع محيطها" , او في مواجهة الأدوات لا سيما آل سعود, كل الإجابات فيها قدر من المنطق ولكنها ليست حلاً كافياً في المدى المنظور. هل نحن بحاجة أيضاً الى "ثيران" من نوع ما؟ سؤال للتفكير اكثر في المعضلة القائمة. 

حسام مطر